د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
يعمد التدريب القانوني في المؤسسات الحديثة إلى حوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز جودة صناعة القرارات، ويحد في الوقت ذاته من الأخطاء والمخاطر التي قد تنشأ من ضعف القيادات وموظفي تلك الجهات في الإلمام بمعرفة النصوص القانونية أو سوء فهمها أو الخطأ في تفسيرها وتأويلها. حيث إن القانون في بيئة العمل ليس مجرد نصوص جامدة يلجأ إليها الموظف للتطبيق عند الحاجة، بل هو إطار تنظيمي يشمل كافة الأعمال اليومية ابتداءً من ممارسة الاختصاص الوظيفي، مرورًا بإدارة التقسيمات الإدارية وصناعة القرارات، ووصولاً إلى حماية الحقوق وتحديد المسؤوليات وسلامة الإجراءات.
وتأسيسًا على ذلك، هل يكفي أن يكون الموظف ملمًا بالنص القانوني أم يتطلب أن يكون قادرًا على اتخاذ الإجراءات السليمة في مُمارسته للمهام والاختصاصات المناطة به؟
لا جرم أنَّ المعرفة القانونية لوحدها غير كافية لتحقيق جودة الأداء المؤسسي، بل لا مناص من تحويل تلك المعرفة لتكوين مورد بشري قادر على تحقيق الكفاءة المهنية، ففي منظومة الأداء المؤسسي الحديث لم يعد التدريب القانوني قاصرًا على شرح القوانين واستعراض اللوائح، فالغاية من ذلك ليس تلقين النصوص القانونية الحاكمة للوظيفة العامة، بل مدى تأثير تلك النصوص على الممارسة العملية للموظف داخل منظومة الأداء المؤسسي. ومن ثم فإن التدريب القانوني الفعال يتجاوز تصور السرد للنصوص القانونية، إذ الغاية ليست تحويل الموظف إلى متخصص قانوني، وإنما هو ترسيخ الوعي القانوني الوظيفي الذي يمكن هذا الموظف من فهم الحدود الإجرائية لاختصاصه، وإدراكه للآثار المترتبة على ما يتخذه من إجراءات، وما يصدر عنه من تصرفات أو قرارات، عوضًا عن قدرته على التمييز بين الإجراءات السليمة من الخاطئة التي قد تعرضه للمساءلة.
وهنا يبرز الفارق بين المعرفة بالنص القانوني وكفاءة الموظف في التطبيق العملي، إذ قد يعرف الموظف النص القانوني في ظاهره، ولكنه لا يدرك مدى ارتباط ذلك النص بنصوص قانونية أخرى، وبالتالي يصدر عن هذا الموظف سلوك أو يتخذ قرارا يعتقد في قرارة نفسه صحة سلوكه وسلامة إجرائه، ولكن هو في حقيقته معيب بأحد عناصر القرار الإداري.
لذلك فإن قيمة التدريب القانوني لا تقاس بكمية النصوص التي يتحصل عليها المتدرب، بل بمدى قدرته بعد انتهاء البرنامج التدريبي على التعامل مع تلك النصوص بصورة أكثر وعيًا وأدق صحةً.
ولا مندوحة في قيام المؤسسات – بشكل يومي – باتخاذ العديد من القرارات والإجراءات التي تحمل بعدًا قانونيًا، دون أن تكون صادرة عن الدائرة القانونية المختصة في تلك المؤسسة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: توجيهات المسؤولين للموظفين، وتوجيهات أو إجراءات الموظف اتجاه المراجعين، والمختص بالقيام بإعداد الخطابات أو تحرير محاضر الاجتماعات وغيرها من المسائل الإدارية الأخرى التي قد يترتب عليها آثار قانونية.
ولا غرو أنَّ كل قرار أفضل هو نتاج وعي قانوني أعمق، فالوعي القانوني لا يعني تعطيل الإجراءات أو البطء في اتخاذ القرارات، وإحاطتها بالقيود التي تؤخر إنجاز المعاملات، بل هو أداة معرفية للموظف تمنحه معرفة الوقوف على الحدود القانونية لاختصاصاته، وتتيح له انتقاء الخيار الأمثل من بين البدائل التي توفرها منظومة العمل بالمؤسسة.
وفي المقابل فإنَّ ضعف المعرفة القانونية يقود إلى التسرع في اتخاذ القرارات دون إدراك للعواقب والآثار المترتبة عليها أو التردد في اتخاذ تلك القرارات تجنبًا للوقوع في الخطأ أو المساءلة، مما يؤثر سلبًا في الأداء المؤسسي.
وتجدر الإشارة إلى أن التدريب القانوني بطبيعته يواجه تحديًا مختلفًا عن كثير من مجالات التدريب؛ كون هذا النوع من التدريب يرتبط بالنصوص والمبادئ القانونية التي يمكن تحويلها بسهولة إلى مادة نظرية إذا تم حصرها في مجرد السرد والشرح، فالبرنامج التدريبي القانوني الناجح لا ينحصر في النصوص القانونية التي تقدم، بل في قدرة المتدرب على التعامل مع المواقف والإجراءات التي يقوم بها بموجب اختصاصاته.
ونتيجة لذلك، فإنَّ النصوص القانونية ليست مواد للحفظ، بل هي منهجية في السلوك الوظيفي، وأداة للتفكير في كيفية اتخاذ القرارات، وبذلك يتحول التدريب القانوني إلى وسيلة أبعد من مجرد شرح وتداول للنصوص إلى كونه أداة وقائية للمؤسسة. ويتجلى ذلك من خلال ما تدفعه المؤسسات من خطأ في التطبيق السليم للإجراءات في أشكال متعددة، أبرزها: إلغاء القرارات، نشوء النزاعات، تحمل الالتزامات المالية، زعزعة ثقة المتعاملين.
ولئن كان ذلك، فإنَّ كيفية التعامل مع هذه الإشكاليات بعد وقوعها هو أمر في غاية الأهمية، ولكن الأهم من ذلك والأجدر هو قيام المؤسسات بالتدريب القانوني الوقائي الذي يؤدي إلى تقليل احتمالية وقوع الموظف أو ارتكابه للخطأ من أساسه. ويؤدي التدريب القانوني وظيفة استباقية، كونه يوجه الموظف إلى مناطق المخاطر قبل الوقوع فيها، ويمنحه في الوقت ذاته القدرة على التصرف في حدود اختصاصه، ويبين له المواقف التي يحتاج فيها إلى الرجوع إلى المختص القانوني، وما الإجراءات التي لا ينبغي السير فيها، وعدم تجاوزها مهما كانت الرغبة في سرعة الإنجاز.
وبالنظر إلى تعدد الوظائف والمهام والاختصاصات في كل مؤسسة، فإن من الخطأ تقديم محتوى تدريبي واحد لجميع المستويات والفئات الوظيفية. فالاحتياج القانوني للقيادي يختلف عن الاحتياج للتنفيذي، واحتياج قسم التنسيق والسكرتارية يختلف عن احتياج قسم الشبكات وتقنية المعلومات، واحتياج موظفي الموارد البشرية يختلف عن موظفي الخدمات والمالية.
ومفاد ذلك، أن الوظائف القيادية تحتاج بدرجة أكبر إلى فهم الحدود القانونية الخاصة بالسلطة التقديرية، والمسؤولية عن القرار، والحوكمة وتفويض الاختصاص. على خلاف الموظفين التنفيذيين الذين يكونون بحاجة إلى فهم الإجراءات والحقوق والواجبات والمسؤولية الوظيفية. في حين يحتاج أعضاء اللجان إلى معرفة القواعد المنظمة للاجتماعات والمداولات وصياغة التوصيات وكتابة المحاضر.
والبين من ذلك، أن المدرب القانوني المتميز لا تُقاس كفاءته فقط بسعة معرفته بالنصوص، بل بمدى قدرته على تحويل المعرفة القانونية إلى خبرة قابلة للمُمارسة. ويتطلب بذلك قيام المدرب القانوني بالجمع بين المعرفة القانونية، وفهم البيئة المؤسسية، والقدرة على بناء الحالات العملية، وطرح الأسئلة التي تدفع المتدرب إلى التفكير والابتكار بدلًا من الاكتفاء بتكوين مخزون معرفي.
وصفوة القول؛ لا تعني الثقافة القانونية المؤسسية سيطرة التفكير القانوني على كافة مفاصل المؤسسة، بل تعني في وجود وعي مشترك في احترام القانون وسلامة الإجراءات وحماية الحقوق؛ إذ إن ذلك لا ينحصر في الإدارة القانونية بمفردها، بل هو جزء من المسؤولية المهنية لكل من يمارس اختصاصًا أو يتخذ قرارًا أو يقدم خدمة عامة. إذ إنَّ البرنامج القانوني الناجح هو الذي يبدأ من حاجة حقيقية للمؤسسة ليصل إلى بناء أداء مهني يتسم بصحة الإجراءات وسلامة القرارات في إطار يتسق مع القانون.
ويجدر التنويه إلى أهمية قيام المؤسسات بالعمل على التوصيات الآتية:
- ربط التدريب القانوني بالاحتياج الفعلي للمؤسسة: وذلك عبر تشخيص الفجوات القانونية والمهنية التي تظهر في الممارسة اليومية للواقع العملي بدلاً عن الاستناد إلى عناوين عامة.
- الانتقال من التدريب المعرفي إلى التدريب التطبيقي: وذلك بتقليل الاعتماد النظري للنصوص القانونية، والتوسع في دراسة الحالات العملية والمحاكاة وتفسير النصوص وتحليل القرارات وصياغة المذكرات المرتبطة باختصاصات المشاركين من المؤسسة.
- تصميم برامج قانونية متخصصة بحسب اختصاصات كل مؤسسة: حيث إن احتياجات التقسيمات الإدارية داخل المؤسسة تختلف من تقسيم إلى آخر، ومن ثم لا يمكن التسليم بتقديم تدريب قانوني يعني بكافة موظفي المؤسسة.
- ربط التدريب القانوني بالمخاطر القانونية والمؤسسية: ويتمثل ذلك من خلال تخصيص جزء من البرامج التدريبية نحو الأخطاء المتكررة والممارسات الفعلية التي قد تؤدي إلى منازعات أو تحمل مسؤوليات أو الإفضاء إلى قرارات معيبة. مما يرفع من الحماية القانونية من وقوع المؤسسة في إشكالات قانونية.
- قياس أثر التدريب بعد انتهاء البرنامج: ولا يقاس ذلك بالعدد الكمي للبرامج التدريبية التي قامت المؤسسة بالحاق موظفيها بها، ولا بعدد المشاركين في تلك البرامج. بل يكون بقياس مدى انعكاس التدريب على جودة الإجراءات والقرارات وانخفاض الأخطاء وتحسن مستوى الأداء في البيئة العملية.
- بناء مسارات تدريب قانونية مستدامة: وذلك بالانتقال من البرامج المنفردة إلى مسارات متدرجة تبدأ بالمستوى التأسيسي مرورًا بالمستوى المتوسط ووصولاً إلى المستوى المتقدم، بغية تأطير وتكوين موظفي المؤسسة بالأطر التراكمية من المعرفة النظرية والمهارات العملية. بحيث يكون التدريب القانوني جزءا من التطوير التنظيمي للمؤسسة.
وبقيام المؤسسات بتطبيق هذه التوصيات فإنها تكون قد انتقلت من التركيز على الإطار الكمي للبرامج التدريبية، إلى فلسفة التدريب القائمة على الاحتياج الفعلي للمؤسسة الذي يمكن ممارسته في الواقع العملي وصولاً إلى مكنة قياس أثره على الأداء المؤسسي. وبالتالي يكون عندها التدريب القانوني قد انتقل من نقل المعرفة في القاعات التدريبية إلى صناعة الأداء في البيئة العملية.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
