مرفت بنت عبدالعزيز العريمي
بابتسامة ساحرة تستقبل الزبائن لم أرها يوماً عبوساً أو مهمومة، شخصيتها الحلوة تضفي حياة في المكان، هي لم تكن موظفة الاستقبال الأولى التي أراها في المكان، فخلال العام رأيت العديد من الموظفات يُغادرن المكان، ويبرر المدير أنَّ لديهن ظروف أجبرتهن على ترك الوظيفة، إلا هي، في البداية كنت أعتقد أنها خريجة الشهادة العامة أو أقل، لكنني اكتشفت مع ترددي على المكان أنها تحمل شهادة البكالوريوس وتعمل براتب لا يتجاوز مائتي ريال، وتعمل تسع ساعات باليوم، ستة أيام بالأسبوع، أما الإجازات الرسمية فهي متوقفة على مزاج صاحب العمل الذي يقرر التفضل عليهم بها دون تعويض لاحق.
الحاجة أجبرتها على قبول الوظيفة بدون تعاقد أخفت أمر استعدادها للزواج لأن المدير لا يريد أن يوظف المتزوجات لأنهن قد يطالبن بإجازة وضوع، العام شارف على الانتهاء والمدير الوافد يُماطل تارة ويُؤجل مسألة توثيق العقد تارة أخرى بحجج كثيرة فلا يوجد ما يجبر صاحب العمل على تحديد فترة تثبيت الموظف.
الأمر بدا واضحاً أن سبب التأجيل التهرب من الالتزامات والتأمينات المنصوص عليها بالقانون، ليس لأن المؤسسة خسرانة لا سمح الله بل لأنه يُريد التوفير على حساب حاجة الموظفين للعمل، نصحتها أن تلجأ لوزارة العمل فقالت لي لا أستطيع لأني أحتاج للعمل واستعد للزواج لكنني في نفس الوقت أبحث عن عمل في أماكن أخرى ولا أرغب أن أقدم شكوى عمالية قد تؤثر على فرصي المستقبلية للعمل في جهة أخرى.
كما أخشى أن يعلم صاحب العمل أنني مقدمة الشكوى فتزيد الضغوطات النفسية والمضايقات منه قد تصل إلى الطرد والافتراء فقد سبق وأن قام بذلك مع الموظفات الأخريات.
هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فكل من غادرن قبلها غادرن لأسباب مشابهة. من خلال تعاملي مع بعض موظفي القطاع الخاص كانت الشكوى من هذا النوع تتكرر حتى مع الشركات الكبيرة فأخبرني أحد الموظفين بشركة إقليمية لديها عشرات الفروع بالسلطنة أن الشركة تعتبر جزءا من الراتب والذي لا يتجاوز المائة بديلاً عن العمل الإضافي والإجازات الرسمية والتأمين الصحي، علماً بأن نفس الشركة وفي دولة مجاورة تمنح موظفيها التأمين الصحي كبند منفصل عن العمل الإضافي.
تبدو المسألة حساسة فالحقوق مكفولة بالقانون لكن الواقع يقول إن هناك من يتردد في اللجوء إلى القانون والبحث عن حقوقه خوفاً من الخسارة وتشويه السمعة وبالتالي تذهب كل الفرص في مهب الريح فلا يجد الموظف أمامه سوى أن يصبر ويتحمل إلى حين أن يأتي فرج الله.
كيف يُمكن لمثل هؤلاء ممن يعانون في صمت أن يحصلوا على حقوقهم دون ضرر أو ضرار دون أن تكون الشكوى نقطة سوداء في ملف التوظيف يستطيع أن يتطلع عليها الجميع من باب الشفافية في القانون.
نحن لسنا في المدينة الفاضلة، وهناك من يبحث عن الثغرات ليستغل حاجة الناس للعمل، يبدعون طرقا وأساليب أما أن يقبل بالشروط أو الطرد فالسوق ممتلئة بالباحثين عن عمل. وبعض المستثمرين يستفيدون من المميزات التي تمنحها الحكومة لتوظيف المواطن لتوظيف المزيد من الوافدين من أبناء جلدته أو أسرته. فيكون وجود الموظف المواطن شكلاً من أشكال البطالة المقنعة بدون عمل ولا يكتسب أية خبرات ومهدد بإنهاء الخدمات لو خسر المستثمر العقود أو الامتيازات الحكومية.
كلنا على دراية كافية كيف أن إيجاد فرصة عمل حقيقية ليست بالأمر الهين الموظف بين نارين نار الحاجة ونار الاستغلال.
تلك الممارسات غير المهنية تؤثر على سوق العمل بشكل خاص والاقتصاد بشكل عام، هذه الممارسات إن استمرت قد تفتح بابا آخر لممارسات أكبر تشوهاً من البيئة الاستثمارية المحلية، فأبواب الاستثمار مفتوحة للمواطن والوافد.
كل من يدخل السوق حاملا حقيبة من الأفكار الاستثمارية يحمل أيضا ثقافة عمل من وراء البحار ثقافة عمل قد تكون مقبولة في بلدانهم لكننا نحن هنا كعُمانيين نعزز أخلاقيات العمل المهنية ونحترم حقوق الآخرين كجزء أصيل من ثقافتنا.
إن شح الوظائف وعدم وجود بدائل لموارد رزق تتلاءم مع ذوي الدخل المحدود، الذين لا يملكون مقدرة على إنشاء عمل خاص والدخول في مغامرة غير محسوبة جعل فئة لا يستهان بها يعانون في صمت.
في بعض الدول تتولى وزارة الموارد البشرية إدارة المسار الوظيفي لكل المواطنين بدءا من التوظيف والتدريب والترقية حتى التقاعد، كإجراء متكامل يقلل من الهدر في سوق العمل ويعزز العمالة الوطنية.
نحن في مفترق طرق بحاجة إلى وقفة حقيقية ومراجعة لآليات تطبيق قانون العمل وسد الثغرات الموجودة ودراسة الشكاوى وملاحظات المراجعين وفرق التفتيش وتحويلها إلى حلول واقعية فالتشريعات تحتاج إلى التجديد والتطوير من حين لآخر، بما يتلاءم مع الرؤية الوطنية وقيمنا العمانية.
