د. إبراهيم بن سالم السيابي
عند شاطئ البحر الذي يأتي إليه العشرات، لكل واحدٍ منهم حكايته؛ فهذا يُمارس هواية المشي، وذاك يلعب كرة القدم، والصيادون يستعدون ليوم آخر في البحر، وآخرون تأتي بهم الذكريات. وحتى بعد أن غادر كثير من أبناء الحارة، وبَعُدت بهم الحياة عن شاطئها، ظل المكان يحتفظ في ذاكرتهم بشيء منهم، وظلوا يعودون إليه كلما اشتاقوا إلى أيام مضت.
كان ذلك الرجل، واحدًا من هؤلاء. التقيتُ به هناك، وعرضت عليه أن أوصله إلى منزله البعيد عن الحارة، فوافق. وفي الطريق سألته عن حاله بعد التقاعد.
قال لي ببساطة وعفوية إنِّه مرتاح. حدثني عن أبنائه؛ إحدى بناته أنهت الجامعة، فيما لم يبقَ لابن آخر سوى عام على إنهاء دبلوم التعليم العام، وغادر أحد أبنائه إلى بيته، أما الأحفاد فقد ملأوا عليهم البيت حياةً وحركة. وقال إن من أسعد أوقاته حين يأخذهم معه إلى البقالة القريبة.
كان قد تقاعد من وظيفة حكومية بسيطة، لا يملك سيارة ولا يحمل رخصة قيادة، وكان قد أنهى قبل أشهر قليلة آخر أقساط قرض السكن. لم أسأله عن بقية التفاصيل؛ فبعض التفاصيل قد تُفسد لحظات الصفاء.
لم يكن يشكو من شيء، وإنما أخذني حديثه إلى الحارة التي ما زالت تسكن ذاكرته، وإلى والدي- رحمه الله- وبعض المواقف التي جمعتهما، وإلى أناس غادروا الدنيا وبقيت ذكراهم في المكان.
غادرتُه، لكن حديثه ظل معي، وظل سؤالان يرافقانني: هل كل مُتقاعد يجد في التقاعد ما وجده صاحبنا؟ وهل التقاعد… استراحة أم غربة؟
ربما تكون الإجابة مختلفة من شخص إلى آخر؛ فالتقاعد عند البعض فرصة لاستعادة الوقت والتفرغ للأسرة، وعند آخرين بداية مرحلة تحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد الإنسان تفاصيلها. لكن القاسم المشترك بينهم أنهم أمضوا سنوات من أعمارهم في العمل، وتركوا خلفهم جهدًا وخبرة وتجارب لا ينبغي أن تنتهي قيمتها بانتهاء الخدمة.
ومن هنا، فإنَّ علاقة المؤسسة بموظفها لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء خدمته؛ فالموظف الذي أفنى سنوات من عمره في العمل، وقدم خلالها جهده وخبرته، يستحق أكثر من شهادة تقدير أو هدية رمزية أو حفل وداع بسيط عند مُغادرته. هذه المبادرات، رغم قيمتها المعنوية، لا ينبغي أن تختزل سنوات طويلة من العطاء في لحظة وداع عابرة. والتقدير الحقيقي لا يقاس بما يُقدم للموظف في يوم مغادرته، وإنما بما يحظى به من احترام، وبما تتركه سنوات خدمته من أثر، وبحرص المؤسسة على أن تبقى الصلة به قائمة، وأن تستفيد من خبرته متى دعت الحاجة.
وربما كان أجمل ما يُمكن أن يبقى مع الإنسان بعد التقاعد هو ما جمعه خلال سنوات عمله من خبرة وكفاءة. فهناك من أمضى عقودًا في مهنته، وعرف تفاصيلها وتحدياتها، وخرج منها بتجارب لا تمنحها الكتب وحدها.
وبعض مؤسساتنا الحكومية، مشكورة، أدركت هذه القيمة، فاستعانت بعدد من المتقاعدين من ذوي الخبرة والكفاءة، واستفادت من تجاربهم في مجالات مختلفة. وهي تجربة جميلة تستحق أن تتوسع، لا لأن المتقاعد بحاجة إلى العودة إلى عمله، وإنما لأن بعض ما يحمله من معرفة قد يكون نافعًا لمن جاء بعده.
وربما يكون من المفيد أن تكون لدينا قاعدة بيانات للكفاءات والخبرات التقاعدية، تحفظ تخصصاتهم وتجاربهم، بحيث يمكن الرجوع إليها عند الحاجة؛ في التدريب، أو الاستشارة، أو نقل المعرفة، أو في مهمة محددة تحتاج إلى خبرة تراكمت على مدى سنوات؛ فالتقاعد يمنح الإنسان حقه في الراحة، لكنه لا يلغي ما لديه من خبرة وكفاءة. والأجمل أن يختار المتقاعد بنفسه متى يريد أن يستريح، ومتى يريد أن يشارك، ومتى يجد أن خبرته يمكن أن تكون نافعة لغيره.
ويبقى الجانب المعيشي حاضرًا في حياة المتقاعد، فلا يمكن أن نتحدث عن هذه المرحلة ونتجاهل ما يرافقها من التزامات واحتياجات؛ فاستقرار دخله لا ينعكس عليه وحده، وإنما يمتد إلى أسرته وأبنائه، وإلى الحياة الاقتصادية من حوله.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نتحدث عن تحسين أوضاع المتقاعدين وكأن موارد الدولة بلا حدود. نحن نعرف الظروف المالية التي مرَّت بها البلاد، وندرك أن إدارة المال العام تفرض ترتيبًا للأولويات، وأن أي التزام مالي جديد يحتاج إلى موارد مستدامة. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.
ولعل ما نحتاج إليه هو أن ننظر إلى احتياجات المتقاعدين بهدوء، وأن نبحث عن المعالجات الممكنة ضمن الإمكانات المتاحة؛ فقد تكون هناك أولوية لفئات أكثر حاجة، أو علاوة تساعد شريحة معينة، أو معالجة محددة تخفف جزءًا من الأعباء، دون أن تتحول المسألة إلى التزام يفوق قدرة الدولة أو يضيف أعباءً غير محسوبة على المالية العامة.
وفي هذا السياق، لا بُد من الإشارة إلى صندوق الحماية الاجتماعية الذي جاء ليُشكِّل مظلةً أوسع للحماية الاجتماعية، ويوفر منظومة أكثر شمولًا لمختلف مراحل حياة الإنسان. وهي خطوة مهمة تستحق التقدير، كما أن استمرار تطوير هذه المنظومة وفق المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أمر طبيعي، بما يضمن قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المجتمع في حدود الإمكانات والموارد المتاحة.
وربما لا تكون كل احتياجات المتقاعد مرتبطة بالمال؛ فهناك أشياء بسيطة في شكلها، لكنها كبيرة في معناها. وجود نادٍ أو جمعية للمتقاعدين، مثلًا، قد يوفر مساحة يلتقي فيها من جمعتهم سنوات العمل، ويتبادلون تجاربهم، ويمارسون أنشطة اجتماعية وثقافية، وربما يجد فيها بعضهم فرصة لاستعادة شيء من الحياة التي افتقدها بعد التقاعد.
وهناك أيضًا مزايا وتسهيلات يمكن أن تخفف بعض أعباء الحياة، دون أن تكون بالضرورة التزامات مالية كبيرة على الدولة؛ كتخفيض بعض الرسوم، أو توفير مزايا في بعض الخدمات، أو شراكات مع المؤسسات المصرفية والخدمية، أو خصومات في السفر والنقل. وربما يكون من الجميل أن يحظى المتقاعد بأسعار خاصة لدى الناقل الوطني، أو بمزايا يقدمها القطاع الخاص تقديرًا لهذه الفئة.
قد تبدو هذه الأمور صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها تحمل معنى كبيرًا لدى من أمضى سنوات طويلة في خدمة وطنه. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن زيادة في دخله؛ أحيانًا يكفيه أن يشعر أن هناك من يتذكره، وأن انتقاله من الوظيفة إلى التقاعد لم يجعله خارج دائرة الاهتمام.
المتقاعدون ليسوا سواء في احتياجاتهم؛ أحدهم قد تكون حاجته إلى تحسين دخله، وآخر إلى خدمة أو تسهيل يخفف عنه عبئًا، وثالث إلى رفقة ومجتمع يجد فيه نفسه، ورابع قد يجد سعادته في أسرته وأحفاده، بينما يرى آخر أن خبرته ما زالت قادرة على أن تكون نافعة. والمهم أن تكون أمامه الخيارات، لا أن نفرض عليه صورة واحدة للحياة بعد التقاعد.
ولعل صاحبنا كان قد اختار ما يمنحه الطمأنينة؛ أسرته، وأحفاده، وحارته، وذكرياته، والبحر الذي ظل يعود إليه. لم يكن يبحث عن شيء كبير، وربما كان ما يملكه من قناعة كافيًا ليجعل أيامه أكثر هدوءًا. لكن ليس كل المتقاعدين مثل صاحبنا، ولهذا تبقى مسؤوليتنا أن نجعل مرحلة التقاعد أكثر رحمة واتساعًا للخيارات، حتى يجد كل إنسان فيها ما يناسبه.
التقاعد ليس نهايةً للإنسان، ولا ينبغي أن يكون غربةً عن الحياة. هو استراحة يستحقها بعد سنوات العطاء، وقد يكون، لمن أراد، بدايةً مختلفة لعطاء آخر؛ أكثر هدوءًا، وأقرب إلى الأسرة، وربما أكثر أثرًا.
ولعل صاحبنا، وهو يعود كل يوم إلى البحر الذي ما زال يحمل له ذكريات الحارة وأهلها، كان يعرف ذلك بطريقته الخاصة؛ فقد ترك الوظيفة، لكنه لم يترك الحياة.
