صعود سياسي لافت للمسلمين الأمريكيين.. كيف حدث هذا التحول؟

شهد الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين خلال العقود الماضية تحولا لافتا، انتقل بهم من المشاركة المحدودة في الحياة العامة إلى الترشح والفوز بمناصب سياسية على المستويات المحلية والولائية والوطنية، وصولا إلى مجلسي النواب والشيوخ.

وتبرز في هذا المسار سلسلة من التطورات السياسية الأخيرة، من بينها فوز عائشة وهاب، المنحدرة من أصول أفغانية، في الانتخابات الخاصة بالدائرة الرابعة عشرة في ولاية كاليفورنيا، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني تنتخب لعضوية الكونغرس، إلى جانب فوز عبدول السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان. ويجمع بين التجربتين الانتماء إلى التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، والقدرة على تجاوز مرشحين يحظون بدعم من التيار التقليدي في الحزب.

ولا يمثل هذا الصعود بداية جديدة تماما، إذ تعود جذور الوجود السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة إلى عقود طويلة، ترافقت مع تطورات المجتمع المسلم وتغير تركيبته، سواء من خلال الأمريكيين الأفارقة المسلمين أو موجات الهجرة القادمة من دول عربية وإسلامية، قبل أن تتوسع المشاركة المدنية والسياسية تدريجيا.

وشهدت بداية التسعينيات محطة مهمة مع وصول أول مسلم إلى منصب عمدة في مدينة أمريكية، قبل أن تأتي محطة أكثر أهمية على المستوى الوطني عام 2006، عندما انتُخب كيث إليسون عن ولاية مينيسوتا، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية الكونغرس، وبدأ خدمته في مجلس النواب عام 2007. ومثّل انتخاب إليسون نقطة تحول رمزية وسياسية، إذ أظهر أن الوصول إلى أعلى مستويات العمل السياسي الأمريكي أصبح ممكنا أمام المرشحين المسلمين.

ويعود جانب من تنامي المشاركة السياسية إلى التنوع الكبير داخل المجتمع المسلم الأمريكي، الذي يضم مواطنين من أصول أفريقية وعربية وجنوب آسيوية وآسيوية وغيرها، إلى جانب أجيال جديدة ولدت ونشأت في الولايات المتحدة.

وساعد هذا التنوع، إلى جانب وجود قواسم مشتركة مرتبطة بالحقوق المدنية والحريات الدينية والهجرة ومواجهة التمييز، على تشكيل قاعدة أوسع للمشاركة في الحياة العامة. كما أدى استقرار المجتمعات المهاجرة إلى نشوء تجمعات مسلمة كبيرة في عدد من الولايات، من بينها ميشيغان ومينيسوتا ونيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا وإلينوي وتكساس.

ومع استقرار هذه المجتمعات، توسعت المؤسسات المرتبطة بها، بما في ذلك المدارس والمنظمات المدنية والشبكات الاجتماعية، لتتحول تدريجيا إلى أرضية تساعد على المشاركة السياسية وتنظيم الناخبين وتشجيع الترشح للمناصب العامة.

وساهم ظهور أجيال من المسلمين الأمريكيين الذين نشأوا داخل المجتمع الأمريكي في تعزيز هذا التحول، إذ أصبحت السياسة بالنسبة إلى هذه الأجيال جزءا مباشرا من حياتها اليومية ومستقبلها، وليست شأنا بعيدا أو مرتبطا فقط بالهوية الدينية أو بالأصول العائلية.

ومع زيادة أعداد المواطنين المسلمين المؤهلين للتصويت، بدأت الحملات الانتخابية تولي اهتماما أكبر بأصواتهم، خصوصا في الولايات والدوائر الانتخابية التي يمكن أن تكون فيها التجمعات المسلمة مؤثرة في انتخابات متقاربة. ولا يرتبط هذا التأثير بالعدد وحده، بل بمدى التنظيم والنشاط والقدرة على بناء التحالفات مع مجموعات انتخابية أخرى.

كان لهجمات 11 سبتمبر 2001 تأثير كبير في علاقة قطاعات من المسلمين الأمريكيين بالعمل السياسي، بعدما واجه المجتمع المسلم موجات من الخوف والشك والصور النمطية والتمييز.

وأدت هذه الظروف إلى زيادة الدعوات للمشاركة المدنية والسياسية، وتسجيل الناخبين، والانضمام إلى المنظمات الحقوقية، والدفاع عن الحريات المدنية والدينية. وبذلك تحولت السياسة بالنسبة إلى قطاعات من المسلمين من خيار للمشاركة العامة إلى وسيلة للدفاع عن المصالح والحقوق والتأثير في السياسات التي تمس حياتهم بصورة مباشرة.

كما أصبحت قضايا السياسة الخارجية، ولا سيما التطورات في الشرق الأوسط، عاملا مهما في توجهات قطاعات من الناخبين المسلمين، خصوصا الأمريكيين من أصول عربية الذين تربطهم صلات عائلية واجتماعية بالمنطقة.

وأعادت الحروب والأزمات المتتالية، ومن بينها الحرب في غزة، هذه الملفات إلى صدارة النقاش داخل قطاعات واسعة من الجالية، في ظل ارتباط بعض الناخبين بصورة مباشرة بما يجري في المنطقة، الأمر الذي عزز أهمية وجود ممثلين منتخبين قادرين على نقل هذه القضايا إلى المؤسسات السياسية الأمريكية والمشاركة في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية والمساعدات الأمريكية.

وتشير التجربة السياسية للمسلمين الأمريكيين إلى أن الوصول إلى المناصب الوطنية لم يكن منفصلا عن المشاركة المحلية، إذ بدأ المسار في كثير من الحالات من المجالس المحلية ومجالس المدارس والبلديات، ثم انتقل إلى المجالس التشريعية في الولايات، قبل الوصول إلى المؤسسات الوطنية.

وأتاح نجاح المرشحين المسلمين في الانتخابات المحلية تقديم نماذج جديدة للأجيال اللاحقة، وإثبات أن الانتماء الديني لا يحول دون الوصول إلى مواقع سياسية رفيعة وتمثيل مختلف فئات المجتمع.

وفي الوقت نفسه، أدرك المسلمون الأمريكيون أن بناء نفوذ سياسي مستدام لا يمكن أن يعتمد على أصوات المسلمين وحدها، في ظل التنوع الكبير داخل المجتمع المسلم ومحدودية حجمه مقارنة بإجمالي الناخبين الأمريكيين.

لذلك أصبحت التحالفات مع جماعات أخرى عاملا أساسيا في العمل السياسي، سواء في قضايا الحقوق المدنية أو الهجرة أو حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية والحريات الدينية. ويسمح هذا النهج بانتقال المسلمين من كونهم جماعة تدافع عن قضاياها الخاصة إلى جزء من ائتلافات سياسية أوسع تتقاطع فيها المصالح والأهداف.

ومع مرور السنوات، ظهرت أسماء سياسية مسلمة أخرى أصبحت جزءا من المشهد السياسي الأمريكي، من بينها رشيدة طليب وإلهان عمر، إلى جانب تجارب أخرى على مستوى الولايات والمدن، وصولا إلى تجارب سياسية أكثر حضورا في السنوات الأخيرة.

وتعكس هذه النجاحات اتساع نطاق المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين، لكنها في الوقت ذاته لا تعني أن الطريق أصبح سهلا، إذ لا يزال وصول المسلمين إلى المناصب السياسية العليا محكوما بالمنافسة الانتخابية والتحالفات والقدرة على مخاطبة الناخبين خارج نطاق المجتمع المسلم.

ورغم تنامي هذا الحضور، يظل المسلمون أقلية دينية في الولايات المتحدة. وتشير تقديرات واردة في المادة إلى أن عدد المسلمين يبلغ نحو 4.5 ملايين نسمة، بما يعادل قرابة 1.5% من إجمالي السكان، فيما تضم ميشيغان، إحدى الولايات التي يوجد فيها تجمع مسلم كبير، أكثر من 241 ألف مسلم وفقا للتقديرات المذكورة.

وتوضح هذه الأرقام أن التأثير السياسي للمسلمين الأمريكيين لا يقوم على امتلاك كتلة سكانية ضخمة، وإنما على قدرتهم في بعض المناطق والدوائر على تنظيم أصواتهم، والمشاركة في الانتخابات، وبناء التحالفات، وتحويل بعض القضايا التي تهمهم إلى ملفات سياسية مؤثرة.

ويبدو أن صعود المسلمين الأمريكيين سياسيا يمثل مسارا متواصلا أكثر منه موجة انتخابية مؤقتة، فكل تجربة ناجحة تفتح المجال أمام تجارب جديدة، وتقلل تدريجيا من الحاجز النفسي الذي كان يجعل وصول المسلم إلى منصب سياسي رفيع أمرا استثنائيا.

غير أن التحدي الأكبر لا يتعلق بمجرد الفوز في الانتخابات، بل بقدرة السياسيين المسلمين على تحويل الحضور الانتخابي إلى تأثير سياسي مستدام، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرتهم على تمثيل جميع المواطنين وليس أبناء مجتمعاتهم فقط.

وبهذا المعنى، تعكس التجربة مسارا بدأ بحضور اجتماعي وديني محدود، ثم تطور إلى مشاركة مدنية، فحضور انتخابي، وصولا إلى تمثيل سياسي على المستويات المحلية والوطنية. ومع استمرار هذا المسار، يبقى السؤال الأبرز حول مدى قدرة المسلمين الأمريكيين على ترسيخ نفوذهم السياسي داخل منظومة شديدة التنافس والتنوع، دون أن يفقدوا قدرتهم على بناء التحالفات الأوسع التي ساعدتهم على الوصول إلى مواقع القرار.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z