دور المجمّعات السياحية المتكاملة في تعزيز التنوع والتنمية الاقتصادية

 

 

 

د. أدهم بن تركي آل سعيد **

استشرفتْ سلطنة عُمان مبكرًا ما يُمكن أن يُتيحه قطاع السياحة من فرص اقتصادية واعدة، فكانت المجمعات السياحية المتكاملة إحدى الأدوات التي اعتمدتها لتوسيع مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني، واستقطاب الاستثمار الأجنبي، وتشجيع الزائر على الإقامة لفترات أطول في السلطنة.

ويتسق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي وضعت السياحة ضمن القطاعات ذات الأولوية في مسار التنويع الاقتصادي. وقد بلغت المساهمة المباشرة للقطاع 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 1.14 مليار ريال عُماني في عام 2025، مقتربة بذلك من مستهدف الرؤية البالغ 5%. وبعد عقدين من التجربة، تكشف النتائج عن أثر اقتصادي للمجمعات السياحية المتكاملة يمتد إلى قطاعات وأنشطة عديدة.

وتُتيح هذه المشاريع، بحكم طبيعتها، حركة اقتصادية واسعة تبدأ من التطوير العقاري والبنية الأساسية، وتمتد إلى الضيافة والتجزئة والمطاعم والخدمات والفعاليات. كما أتاحت فرص التملك الحر للمشترين الراغبين في الإقامة في سلطنة عُمان، ووسعت الخيارات أمام المستثمرين من المواطنين والأجانب الذين يرون في السوق العُماني فرصة لتنويع استثماراتهم.

وفي دراسة حديثة أجرتها مؤسسة الشركة للاستشارات الإدارية والاقتصادية (The Firm) هدفت لتقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لمشروع الموج مسقط على الاقتصاد العُماني خلال العقدين الماضيين، أظهرت النتائج أنَّ المشروع أسهم بإجمالي 878 مليون ريال عُماني في الاقتصاد الوطني، من خلال تطوير البنية الأساسية والعقارات وما ارتبط بذلك من نشاط اقتصادي مباشر وغير مباشر.

ورصدت الدراسة أثر الموج مسقط في قطاعات البناء والإنشاءات والعقارات والضيافة والمطاعم والمقاهي والتجزئة. وتكشف النتائج عن قيمة تتولد تباعًا مع تطور المشروع؛ فالإنشاء يحرك قطاعات اقتصادية متعددة، والتشغيل يفتح مجالات جديدة، وتوسع المجتمع المقيم والزائر يولد طلبًا مستمرًا على الخدمات والأنشطة التجارية.

وشهد المشروع، بالتوازي مع مراحل تطويره، نموًا مستمرًا في العوائد الاستثمارية وقيم العقارات على مدى عشرين عامًا، ونجح في استقطاب 880 مليون ريال عُماني من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما يعكس قدرة هذا النموذج على جذب رؤوس الأموال إلى السلطنة والاحتفاظ بها ضمن دورة اقتصادية أوسع. كما بلغت نسبة المحتوى المحلي 43.6%، بما يعكس قدرة المشروع على توجيه جزء مهم من قيمته الاقتصادية إلى السوق المحلي.

وتظهر هذه القيمة في أعمال البناء والإنشاءات والخدمات العقارية، ثم تتسع دائرتها لتشمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في التجزئة والمطاعم والمقاهي وغيرها من الخدمات داخل المشروع. وينعكس هذا النشاط على فرص العمل وسلاسل الإمداد والطلب على المنتجات والخدمات المحلية، فتتوزع آثاره على نطاق يتجاوز حدود المشروع نفسه.

وتشير الدراسة إلى توفير أكثر من 2,200 وظيفة مباشرة، فيما بلغت نسبة التعمين 67%. وتجاوزت مشاركة المرأة 40% في المناصب القيادية العليا، وهي نسبة مرتفعة قياسًا بالمستويات الإقليمية. وأسهمت سنوات التطوير والتشغيل كذلك في إعداد كوادر متخصصة تمتلك خبرات في إدارة المجمعات السياحية المتكاملة وتشغيل مرافقها المختلفة.

وتمنح طبيعة هذه المجمعات مساحة أخرى للنشاط الاقتصادي من خلال الفعاليات؛ فوجود المراسي وملاعب الجولف والمساحات العامة ومرافق الضيافة والترفيه يهيئها لاستضافة فعاليات محلية ودولية تستقطب المشاركين والجمهور والزوار. وقدّرت الدراسة الأثر الاقتصادي الإجمالي للفعاليات التي استضافها الموج مسقط، من فعاليات الإبحار الدولية إلى الماراثون السنوي، بنحو 245 مليون ريال عُماني، إلى جانب 836 مليون ريال عُماني من إجمالي التغطيات الإعلامية.

ويمتد مردود هذه الفعاليات إلى القطاع السياحي؛ إذ تقدم سلطنة عُمان إلى جمهور دولي من المشاركين والزوار ووسائل الإعلام، وتحفز الإنفاق على الإقامة والنقل والمطاعم والخدمات، وتمنح المؤسسات المحلية خبرة عملية في تنظيم أحداث تستقطب جمهورًا من أنحاء مختلفة من العالم.

أما بناء الكفاءات والقدرات الوطنية، فطالما وضعها الموج مسقط في مقدمة أولوياته مؤكدًا أن أثر المجمعات السياحية المتكاملة لا يقتصر على التطوير العقاري والحضري فحسب. وعلى مدار العقدين الماضيين، عززت سنوات البناء والتشغيل وإدارة المرسى واستضافة فعاليات الإبحار وسباقات الماراثون من خبرات الشركات والمؤسسات والكوادر العُمانية، ورفعت قدرتها على العمل وفق المعايير الدولية.

وتكتسب هذه الخبرة قيمة أكبر مع اتساع الاستثمار في السياحة والمشاريع الحضرية الكبرى في سلطنة عُمان؛ إذ تنتقل المعرفة التي تراكمت في الموج مسقط منذ تأسيسه إلى مشاريع وأسواق وفرص جديدة، وتصبح الشركات والكوادر التي نشأت حوله جزءًا من قدرة الاقتصاد الوطني على تنفيذ مشاريع أكبر وأكثر تعقيدًا.

لهذا يمكن قراءة أثر المجمعات السياحية المتكاملة من خلال ما تضيفه إلى الناتج المحلي، وما تستقطبه من استثمارات، وما تولده من وظائف وما تُسهم به في تعزيز المحتوى المحلي؛ فالتنويع الاقتصادي يرتكز على الخبرات والقدرات في الاستثمار والإدارة والتشغيل، وتطوير المهارات المحلية وتعظيم مساهمتها في الاقتصاد. وبعد عشرين عامًا، أصبحت تجربة الموج مسقط مثالًا عمليًا يحتذى به في دور المجمعات السياحية المتكاملة في تعزيز الإمكانات الوطنية والمساهمة بدورٍ فاعلٍ في تحقيق الأهداف المرسومة في رؤية "عُمان 2040".

** شريك مؤسس - الشركة للاستشارات الإدارية والاقتصادية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z