تعزيز دور "الغرفة" في التنمية الاقتصادية

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني

في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتوجه سلطنة عُمان نحو التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الموارد النفطية، تبرز أهمية إعادة تقييم وتطوير دور غرفة تجارة وصناعة عُمان باعتبارها ممثل القطاع الخاص وشريكاً رئيسياً في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وفي الوقت نفسه، توجد العديد من الجهات والمبادرات التي تعمل على جذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: استثمر في عُمان، نزدهر، برامج دعم ريادة الأعمال، جهاز الاستثمار العُماني، وزارة المالية، وصناديق الاستثمار المختلفة.

ومن هنا يبرز تساؤل مهم حول كيفية تحقيق التكامل بين هذه الجهات ودور الغرفة، بحيث لا يقتصر الأمر على جذب الاستثمار، وإنما توجيهه نحو القطاعات والمشاريع التي تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني وتزيد مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي غير النفطي.

وهنا نسأل: كيف يمكن لغرفة تجارة وصناعة عُمان أن تطور دورها الاستراتيجي لتكون منصة فاعلة لربط القطاع الخاص بالفرص الاستثمارية، والمساهمة في رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي؟

ويتفرع من ذلك عدد من المحاور والتساؤلات:

أولاً: استراتيجية السوق والقطاعات المستهدفة

هل من الأفضل التركيز على استراتيجية تصنيف السوق (Market Segmentation)، من خلال تحديد شرائح السوق والقطاعات ذات الأولوية واحتياجاتها المختلفة، أم اتباع نهج السوق الشامل (Mass Market) الذي يستهدف أكبر عدد ممكن من المنتسبين وتقديم خدمات موحدة لهم؟

ولكل من الاستراتيجيتين مميزات وتحديات في تحقيق النمو والاستدامة. كما أن الميزة النسبية لعُمان تختلف من محافظة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، وفقاً للموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والبنية الأساسية، والموارد البشرية، والأنشطة الاقتصادية القائمة.

لذلك، قد يكون من المناسب أن تعتمد الغرفة على استراتيجية تصنيف السوق (Market Segmentation)، بحيث يتم تحديد شرائح السوق والقطاعات ذات الأولوية، ودراسة المزايا النسبية لكل محافظة ومنطقة، وتحويلها إلى فرص استثمارية قابلة للتنفيذ.

ومن القطاعات التي يمكن دراسة ميزتها التنافسية: الصناعة، اللوجستيات، الأمن الغذائي والاقتصاد الأزرق، السياحة، الخدمات المالية والتأمين، الصحة، التقنية والطاقة، مع تصميم برامج دعم تتناسب مع طبيعة واحتياجات كل شريحة من شرائح السوق.

ثانياً: السياسات القائمة على آليات السوق؟ أم السياسات الموجهة نحو المنتج؟

من المهم كذلك النظر في طبيعة المنافسة في الأسواق.

 

إن الاعتماد المفرط على السعر كأداة للمنافسة، إلى جانب اتباع السياسات الموجهة نحو المنتج قد يؤدي إلى دورة حياة قصيرة للمنتج، خصوصاً عندما تكون المنافسة قائمة على السعر والمنتج أكثر من فهم احتياجات السوق والعملاء؛ فخفض السعر قد يجذب العميل على المدى القصير، لكنه قد يؤدي إلى ضغوط على هوامش الربح، ويدفع المنافسين إلى خفض أسعارهم أيضاً.

أما السياسات القائمة على آليات السوق؛ فتنطلق من فهم احتياجات السوق والعملاء، وتطوير المنتج والخدمة والقيمة المقدمة وفقاً لتغيرات الطلب والمنافسة.

وبالتالي: السعر قد يكون أداة للمنافسة، لكنه لا ينبغي أن يكون استراتيجية المنافسة؛ فالاستدامة تتطلب الانتقال من بيع المنتج إلى فهم السوق، ومن المنافسة السعرية فقط إلى المنافسة على الجودة، والقيمة، والخدمة، والابتكار، والاستدامة.

ثالثاً: أين تكمن الميزة التنافسية لعُمان؟

هل ينبغي التركيز بصورة أكبر على بناء اقتصاد صناعي قادر على الإنتاج والتصدير، أم تطوير قطاع خدمات متقدم يستفيد من الموقع الجغرافي والاستراتيجي لسلطنة عُمان؟

الصناعة توفر فرصاً لزيادة القيمة المضافة، وتنمية الصادرات، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، بينما توفر الخدمات فرصاً للنمو والاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد البشرية والطبيعية. ولذلك، قد لا يكون الخيار بالضرورة بين الصناعة أو الخدمات، وإنما بناء اقتصاد متكامل يجمع بينهما، بحيث تكون الخدمات الداعمة جزءاً من منظومة الإنتاج والتصدير، مثل التمويل والتأمين وإعادة التأمين، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والاستشارات، والصيانة، والتعليم والتدريب.

رابعاً: التأمين كجزء من القيمة الاقتصادية المحلية

ومن الأمثلة على أهمية ربط النشاط الاقتصادي بالقطاع المحلي ما كان معمولاً به في السابق في قطاع التأمين، حيث كان توفر الطاقة التأمينية والاستيعابية (Insurance Capacity) ونظام التأمين المحلي من العوامل التي أتاحت وضع متطلبات في قانون التأمين تقضي بأن يكون التأمين على الواردات من الخارج محلياً، وفق ترتيبات تجارية على أساس التكلفة وأجرة الشحن (C&F).

وكان الهدف من هذا التوجه الاحتفاظ بجزء من القيمة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة داخل الاقتصاد الوطني، من خلال تمكين شركات التأمين المحلية من تغطية الأخطار المتعلقة بالواردات، بدلاً من خروج القسط التأميني إلى الأسواق الخارجية.

وهذه التجربة تطرح سؤالاً أوسع للنقاش: كيف يمكن للسياسات الاقتصادية أن تضمن بقاء أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، ليس فقط من خلال الإنتاج، وإنما أيضاً من خلال التمويل، والتأمين، وإعادة التأمين، والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية المرتبطة بالتجارة؟

وهنا يظهر مفهوم تصنيف السوق بصورة عملية؛ إذ يمكن دراسة كل سلسلة قيمة اقتصادية بصورة متكاملة، وتحديد أين تذهب الإيرادات والأقساط والعمولات والخدمات، وما الذي يمكن أن يحتفظ به الاقتصاد المحلي.

خامساً: دور البنوك في تمويل الإنتاج والتصدير

يبرز هنا أيضاً دور القطاع المصرفي في دعم التنمية الاقتصادية؛ فتمويل البنوك للمصانع والمشاريع الإنتاجية، وخاصة الصناعات القابلة للتصدير، يمكن أن يساعد على زيادة الطاقة الإنتاجية، وتطوير المنتجات، وفتح أسواق خارجية، وزيادة تدفقات العملات الأجنبية إلى الاقتصاد.

ومن ثم، فإن توجيه جزء أكبر من التمويل المصرفي نحو الإنتاج والتصدير يمكن أن يساهم في:

  • زيادة الإنتاج المحلي.
  • رفع الصادرات.
  • توليد تدفقات من العملات الأجنبية.
  • دعم سلاسل القيمة المحلية.
  • تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني.
  • خلق فرص عمل مستدامة.
  • زيادة قدرة الشركات العُمانية على المنافسة خارجياً.

 

وبذلك يصبح التمويل المصرفي جزءاً من دورة اقتصادية متكاملة:

تمويل البنوك → الإنتاج → التصدير → تدفقات النقد الأجنبي → النمو الاقتصادي والاستقرار

ولا يعني ذلك أن زيادة الصادرات تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع سعر الريال العُماني، خصوصاً في ظل نظام ربط الريال بالدولار، وإنما المقصود تعزيز القدرة الإنتاجية وتدفقات العملات الأجنبية وقوة الأساس الاقتصادي الذي يدعم استقرار العملة والاقتصاد الوطني.

سادساً: قياس الأثر الاقتصادي

إن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على جذب الاستثمارات أو زيادة عدد المشاريع، وإنما يجب قياس أثرها الاقتصادي الفعلي من خلال مؤشرات واضحة، من أهمها:

  • نمو الناتج المحلي غير النفطي.
  • زيادة مشاركة الشركات العُمانية في المشاريع والاستثمارات الكبرى.
  • رفع القيمة المحلية المضافة.
  • زيادة الصادرات وتنويع الأسواق الخارجية.
  • تطوير الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة والتقنية.
  • إيجاد فرص عمل مستدامة.
  • زيادة قدرة الشركات العُمانية على التوسع والتصدير.
  • تعزيز التكامل بين المؤسسات الكبيرة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
  • قياس التدفقات النقدية والقيمة الاقتصادية الناتجة عن الاستثمارات.

سابعاً: دور الغرفة في المرحلة المقبلة

إن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير دور الغرفة من مجرد تمثيل المصالح التجارية التقليدية إلى دور الشريك الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، من خلال:

  • إعداد دراسات تصنيف السوق للقطاعات والأسواق ذات الأولوية.
  • تحديد المزايا النسبية لكل محافظة وقطاع.
  • تحديد الفرص الاستثمارية القابلة للتنفيذ.
  • ربط القطاع الخاص بالمستثمرين والجهات الحكومية.
  • المساهمة في معالجة التحديات التشريعية والتنظيمية.
  • دعم الشركات العُمانية للدخول في سلاسل القيمة للمشاريع الكبرى.
  • تشجيع الإنتاج المحلي والتصدير.
  • تعزيز التعاون بين القطاع المصرفي والقطاع الإنتاجي.
  • قياس أداء المبادرات والاستثمارات ونتائجها الاقتصادية.

 

إنَّ التحدي أمام غرفة تجارة وصناعة عُمان في المرحلة المقبلة ليس فقط جذب الاستثمار، وإنما ضمان أن يتحول الاستثمار إلى إنتاج، وتصدير، وقيمة محلية مضافة، وتدفقات نقدية، وفرص عمل، ونمو مستدام. كما أن النجاح لا يقاس بعدد المبادرات أو المشاريع فقط، وإنما بقدرتها على تحويل المزايا النسبية لكل محافظة وقطاع إلى مزايا تنافسية مستدامة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص العُماني في الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم استثماراً استطعنا جذبَه؟ وإنما: ما القيمة الاقتصادية التي أضافها هذا الاستثمار إلى عُمان، وإلى القطاع الخاص العُماني، وإلى الناتج المحلي غير النفطي؟ فالهدف النهائي هو بناء اقتصاد عُماني منتج ومنافس ومتنوع، يقوده قطاع خاص قوي، وتتكامل فيه الصناعة والخدمات والتمويل والتأمين والتجارة والتصدير ضمن منظومة اقتصادية واحدة.

** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z