الرحلة بسيارة الإسعاف.. ما قبلها وما بعدها

 

 

 

عبدالله بن هاشل المسكري

 

بعد أن أديت صلاة الفجر صباح يوم الجمعة الموافق السابع من أغسطس 2026، في مسجد ربيع التراثي الذي أسسه الأجداد منذ أكثر من 300 عام خلت بعلاية إبراء، وكعادتي اليومية أذهب إلى ذلك المسجد لأداء الصلوات من خلال طريق مختصر، حتى لا أتأخر عن موعد الصلاة، وأعود منه من طريق آخر أطول كمُمارسة رياضية يومية.

وقد وصلت بعد العودة في ذلك الصباح إلى حوش بيتي الخلفي؛ حيث صواني تمر البرني والمدلوكي والخلاص الذهبي التي نقلناها من مكانها عصر اليوم الذي قبله لإبعادها عن تأثير أية أمطار محتملة خلال المساء؛ فرأيت أنه من المناسب إعادة ما رأيت منه أنه بحاجة لمزيد من أشعة الشمس لتجفيفه أكثر، قبل الشروع في تنظيفه وتخزينه. وتم لي ذلك، وهَمَمْتُ بالعودة إلى داخل البيت وإحكام إغلاق الباب الخلفي. وهنا شعرت بشيء غريب ولأول مرة في حياتي، ألا وهو الشعور بالدوخة الحادة، وأنا على سُدة الباب، قبل استكمال إغلاق الباب، فقررتُ الجلوس والباب ما زال مفتوحًا لإعطاء ذلك الشعور بالدوخة حقه في استكمال دورته. وبعد الوصول إلى الأرض مُباشرة، ذهبتُ في نوم عميق لا إرادي ونهضت بعد حوالي نصف ساعة في ذات المكان. وأنا أتساءل لماذا فاجأني النوم هنا وبقيتُ في حيرة حقيقية من ذلك، ودخلت البيت وأنا بذات الشعور الغريب، ولم أخبر أحدًا حتى تتضح الصورة لي أولًا.

حان وقت صلاة الجمعة، وتوجهنا مع الأولاد إلى جامع السلطان قابوس بإبراء، وطلبت من الولد المختار القوي البنية أن يكون قريبًا مني للتدخل في حالة حدوث أي طارئ، وأكملنا الصلاة، والأمر طبيعي تمامًا. وقبل المغرب توجهنا معًا لتلبية دعوة كريمة لحضور عقد قِران، والتقيتا خلال جلسة العقد بالعديد من المحبين من داخل والولاية وخارجها، ثم عدنا إلى مسقط الخير، وكنت أقود السيارة بنفسي والمختار بجانبي ووصلنا بكل طمأنينة وسلام والحمد لله.

في نهار السبت، تناقشت مع الأولاد حول أهمية فتح ملف لي بمركز صحي الأنصب القريب من المستشفى السلطاني والقريب من ذلك البيت، وقد استحسنوا ذلك الرأي، وانطلقت في بداية صباح الأحد إلى المركز الصحي لتلك المهمة طالبًا منهم تجهيز وجبة الإفطار للعودة إليه بعد فتح الملف بالمركز الصحي مباشرة.

فتحتُ الملف وطلبتُ من الإداري بالمركز أن أخضع لمعاينة أولية، وكنت ثالث المنتظرين في الطابور، ودخلت مع الطبيبة المناوبة وشرحتُ لها ما أنا بصدده وما مرَّ عليَّ صباح الجمعة؛ فقررت- جزاها الله خيرًا- القيام بفحص شامل لي، بما في ذلك تخطيط للقلب، وقد ظهر من خلال التخطيط أن نبضات القلب منخفضة جدًا عن المعدل المتوقع (أي من حوالي 70 إلى 29 فقط) فقررتْ التحويل فورًا إلى المستشفى السلطاني بسيارة الإسعاف.

قاومتُ ذلك كون أنَّي لأول مرة أُنقل بسيارة إسعاف، وكان شعوري أن الوضع لا يتطلب ذلك، لكن الطبيبة ومن معها أصروا على أنَّ النقل عبر سيارة الإسعاف أسرع لدخول قسم الطوارئ.

نُقلتُ إلى كابينة الإسعاف وأنا في كرسي المركز الصحي، وفي حالة استغراب ودهشة؛ كيف أُنقل بتلك الوسيلة وأنا بكامل قواي الذهنية والبدنية، وأتساءل لماذا كل هذا؟ ثم لحق بي بعض الأولاد من بيت الأنصب وقد انضمَّت أمهم إلى كابينة سيارة الإسعاف.

شعورك وأنت منقول بسيارة إسعاف يختلف عن كونك مرافقاً لمريض!

في حالة أنك منقول كمريض ترى البيئة حولك مقلوبة تمامًا. لا ترى الأرض ولا المباني ولا الشوارع؛ بل قمم الأشجار والنخيل والمباني، وتُلاحظ تموُّج سيارة الإسعاف وهي مُسرعة في الملفات نحو هدفها، وعينيك متجهتين إلى الأعلى، تسمع صوت التنبيه ولا ترى الأضواء الزرقاء، إلى أن تقف بالموقف المخصص للإسعاف، ثم تُنقل عبر ناقل آخر إلى المكان المخصص لك بقسم الطوارئ.

وصلنا والكادر الطبي المتخصص كان بانتظارنا مُشمِّرًا عن سواعده للقيام بمهمته، لتشعر بالراحة النفسية والشعور الصادق بأنك تحظى باهتمام الجميع، وإن لم يعرفوك شخصيًا من قبل.

ما بين الخروج من سيارة الإسعاف والتعامل مع الحالة داخل غرفة الطوارئ أقل من نصف ساعة، وقد أبلغتُ الأولاد في البيتين عبر الاتصال عن الأمر بقصد العلم فقط، وهم دائمًا السند والمدد في كل الأحوال.

بدأت الفحوصات من جديد بتخطيط أدق للقلب كي يُقرِّر الطبيب المختص ما هو المسار العلاجي الناجع لهذه الحالة، وقد عرفني بداية بنفسه وفريقه من حوله.

أكدت قراءة التخطيط الجديد للقلب ضرورة إجراء عملية لتثبيت مُنظِّم لنبضات القلب للمحافظة عن المعدل الطبيعي لها، لكن الفريق أفاد بأن لا يمكنه التأكيد بأن الجهاز متوفر في ذلك الوقت، وسيبذل جهدًا لتوفيره، وإن لم يجدوه سيتم تركيب جهاز مؤقت، فقلتُ لهم إن الأمر بعد الله بيدكم، فقرروا ما ترونه مناسبًا.

عادوا بعد ذلك للتأكيد على أن الجهاز الأكثر ثباتًا متوفر، وسيتم إحضاره فورًا. وبدأ الاستعداد للانتقال إلى الغرفة المخصصة لإجراء العملية، وقد أُخبِرْتُ بذلك بكلامٍ مطمئن تم استيعابه بسهولة من قبلي؛ حيث لا قريب ولا نسيب حولي.

انطلق السرير السيَّار نحو غرفة العملية بكادر طبي متكامل، خرج من غرفة العناية الفائقة إلى ممرات عريضة عدة، تفاجأتُ في إحداها باصطفاف حوالي عشرين من أفراد عائلتي- أبناء وبنات وامهات- الذين سُمِحَ لهم بالدخول على جانبي ذلك الممر الفسيح في موقف مهيب، وهم يلوحون بأيديهم يقابلون الابتسامة بأفضل منها، ومُتضرِّعين إلى الله بالسلامة والعافية.

وصل الموكب إلى سُدة باب غرفة العملية، وبعد اكتمال دخول السرير النقَّال، أُوصِدَ ذلك الباب في وجه الجميع، عدا الكادر الطبي، الذي بدأ التأكد من تكامل كل ما يحتاجه للشروع في العملية. وقد استهل عمله بكل كفاءة واقتدار بتخدير موضعي تخلَّله حوار هادئ مع الطبيب الذي أجرى العملية حول التعليمات الطبية بكيفية التعامل مع الحالة بعد إجرائها، خاصة بعد الترخيص بالخروج من المشفى. كانت التعليمات واضحة وسهلة التطبيق، وقد تم الترخيص بالخروج واستكمال إجراءاته بعد مرور أقل من 24 ساعة والحمد لله.

كلمة أخيرة.. منذ دخولي إلى سيارة الإسعاف لأول مرة في حياتي وحتى الخروج من غرفة التنويم بالمستشفى السلطاني، لم أدع سانحة من الوقت تمُر إلّا وأفكر خلالها فيما جرى؛ بدءًا بشكر الله على لُطفه وشكر من حولي على ما تلقيته من دعم معنوي كبير منهم، كان له عظيم الأثر على نفسي. لقد عادت الأمور وكافة المؤشرات الصحية المرتبطة بنشاط الحياة العامة إلى وضع أفضل مما كانت عليه قبل إجراء العملية، والحمد لله رب العالمين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z