د. فهد بن سيف المنذري
تُعد صناعة النشر ركيزة أساسية في بناء المعرفة، إذ لا تقتصر وظيفتها على طباعة الكتب وإخراجها بصورة أنيقة، بل تؤدي رسالة ثقافية تقوم على حفظ الإنتاج الفكري وربط المؤلف بالقارئ في إطار من الاحترافية والالتزام، ولذلك فإن العلاقة بين المؤلف ودار النشر ليست تجارية صِرف؛ ولكنها شراكة معرفية وأخلاقية أساسها الثقة والوفاء بالعقود.
غير أنّ الواقع الثقافي يشهد بين حين وآخر حالاتٍ مؤسفة تتمثل في إخلال بعض القائمين على دور النشر بوعودهم التي يقطعونها مع المؤلفين، سواء فيما يتعلق بموعد إنجاز الكتاب، أو بجُودة الطباعة، أو بأعداد النسخ المتفق عليها، أو بالتوزيع والتسويق، أو بالمشاركة في المعارض الدولية، أو بإرسال المستحقات المالية، أو حتى بمجرد الرد على استفسارات المؤلف بعد تسليم الكتاب ودفع التكاليف، وهذه الظاهرة وإن لم تكن قاعدة عامة ولا تنطبق على دور النشر كافة؛ فإنها تستحق الوقوف عندها لما تتركه من آثار سلبية على المستوى الفردي والحركة الثقافية بأسرها.
وترجع هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، أبرزها ضعف الإدارة والتخطيط داخل بعض الدور، والتوسع في قبول مشاريع تفوق القدرة التشغيلية، إضافة إلى السعي وراء المكاسب السريعة عبر تحصيل الرسوم قبل توفير الإمكانات اللازمة. كما يسهم ضعف الالتزام الأخلاقي، وغياب العقود المحكمة التي تحدد الحقوق والواجبات وآليات معالجة الإخلال، فضلًا عن ضعف التواصل مع المؤلفين؛ في تعميق المشكلة وإطالة أمدها.
وتنعكس هذه الممارسات سلبًا على المؤلف والحركة الثقافية؛ إذ تؤدي إلى انهيار الثقة بين الطرفين، وهي خسارة يصعب تعويضها، كما تدفع بعض الكُتَّاب إلى التردد في نشر أعمالهم. ويترتب على ذلك تأخر وصول المعرفة إلى القراء، وتعطل الترقيات الأكاديمية، إلى جانب ما يصيب المؤلف من إحباط بعد سنوات من البحث والكتابة.
وتمتد الآثار إلى الجانب الاقتصادي بما يسببه التأخير من خسائر مالية وضياع فرص التسويق.
ولا تسلم دور النشر نفسها من النتائج، فسمعتها هي رأس مالها الحقيقي، وأي إخلال بالوعود ينتشر سريعًا عبر وسائل التواصل، مما يضعف الثقة بها. ومع ذلك، فإن كثيرًا من دور النشر العربية تقدم نماذج مشرقة في المصداقية والالتزام، مما يؤكد أن المشكلة تقتصر على ممارسات فردية.
ولمعالجة هذه الأزمة ينبغي على المؤلف التحقق من سمعة دار النشر، وإبرام عقد واضح، والاحتفاظ بجميع المستندات والمراسلات. وفي المقابل، يجب على دور النشر الالتزام بمسؤوليتها المهنيّة، وتجنب الوعود غير القابلة للتنفيذ، والمحافظة على التواصل المستمر مع المؤلفين. كما يقع على عاتق الجهات الثقافية الرسمية وضع مدونات للسلوك المهني، وتوفير منافذ للشكاوى، وتعزيز مؤشرات الالتزام. فازدهار طباعة الكتاب مرهون بالثقة والوفاء بالعهود، لأن الخاسر الأكبر من تآكلها ليس المؤلف وحده، بل الثقافة والمعرفة بأسرهما.
