قراءة في المجموعة القصصية «أنفاس مؤجلة» لمنال الجيار

 

 

 

د. شيرين النوساني

حين يضع الكاتب عنوانًا لعمله الأدبي؛ فهو لا ينتقي مجرد مفرداتٍ، بل يختار البوابة التي سيدلف منها القارئ إلى عالمه الخفي.

ومنذ الوهلة الأولى التي نقف فيها أمام عنوان «أنفاس مؤجلة»، ندرك أننا إزاء نصٍ يتجاوز حدود الحكايات العابرة ليغوص بنا في تجربةٍ إنسانيةٍ عميقةٍ وممتدةٍ، تتشابك فيها الحياة والموت، والحضور والغياب، والفقد والتعويض، وفي طياتها لا يلبث الانكسار أن يتحول إلى شكلٍ آخر من أشكال الامتلاء.

فالأنفاس هنا ليست مجرد عمليةٍ بيولوجيةٍ، وإنما تجاوزت وظيفتها العضوية لتصير استعارةً للحياة ذاتها؛ حياةٍ تترنح لكنها لا تخبو، تتأجل فيها الأحلام لكنها لا تلفظ أنفاسها الأخيرة.

ولعل أجمل ما يميز هذه المجموعة أنها لا تكتب الألم بوصفه نهاية الطريق، بل تكتبُه باعتباره بدايةً جديدةً.

وعليه، يصير العنوان هو العتبة الذهبية لفهم روح العمل، الذي يسير بين قطبين نادرًا ما يجتمعان: بوح القلب وتقنيات الحرف.

وهذا ما سأحاول الوقوف عنده وتفكيك دلالاته في هذه القراءة.

بمنأى عن أي أطروحاتٍ سياسيةٍ أو فكريةٍ كبرى، تتوهج نصوص المجموعة بنبضٍ إنسانيٍ عميقٍ؛ إذ تقترب من الإنسان المنهك من الخسائر، الذي يترنح تحت وطأة الإخفاقات، الباحث عن طوق نجاةٍ في بحرٍ تتلاطم فيه أمواج الفقد.

والمدهش أن معظم شخصيات المجموعة تكاد لا تخلو من جرح الفقد: أرملة فقدت الزوج والسند، أم تخشى تربص المرض، طفلة أنهكها العنف، فتاة من ذوي الإعاقة تتحدى المستحيل، امرأة تبحث عن حضن أمها، وحتى قط صغير يصبح فردًا من العائلة، ثم يغادر تاركًا فراغًا لا يقل وجعًا عن فقد البشر. وهكذا لا يصبح الفقد حدثًا استثنائيًا، بل يتحول إلى المادة الأولية التي تصنع منها الكاتبة حكاياتها.

غير أن الفقد في هذه المجموعة لا يرسم خط النهاية، بقدر ما يشق من رحم الألم طريقًا نحو بدايةٍ جديدةٍ. فالكاتبة تعبر بنا فوق دروب الحداد إلى فضاءاتٍ مشرعةٍ على امتلاءٍ جديدٍ.

في قصة «لا تطلق سراحي»، التي تعد من أجمل نصوص المجموعة، نلتقي بامرأةٍ انتهت عدتها بعد وفاة زوجها، فتقول: «أغلقتُ بابَ غرفتي للمرةِ الأولى بعد موته… ولم يكن صوتُ الإغلاقِ عاليًا، لكنه ارتطمَ بقلبي كضربةٍ قاسيةٍ، وكأنني أوصدتُ آخرَ ما تبقى من دفءٍ» (ص 34). مشهد بساطته عارية، لكنه بالغ الكثافة؛ فالباب هنا ليس باب غرفةٍ، وإنما باب مرحلةٍ كاملةٍ من العمر. ثم تعبر عن المفارقة المؤلمة: «شعرتُ بأنني خُليتُ فجأةً، لكن هذه الحريةَ لم تكن طوقًا من نورٍ، بل هواءً باردًا يغزو صدري» (ص 34). وفي نهاية المطاف، تصل إلى اكتشافها المحوري: «أدركتُ حينئذٍ أن ما كنتُ أظنُّه فراغًا لم يكن إلا بدايةً لامتلاءٍ جديدٍ» (ص 40)، وهي جملة تكاد تختزل فلسفة جانبٍ كبيرٍ من المجموعة.

غير أن منال الجيار لا تقدم هذا الامتلاء بوصفه قانونًا مطلقًا أو نتيجةً حتميةً. إذ تكشف لنا الوجه الآخر للفقد في قصتين مختلفتين تمامًا في التفاصيل والمسارات.

ففي «غفوةٍ خائنةٍ» (ص 21) تمر البطلة بمراحل الصدمة والإنكار قبل أن تصل إلى الدعاء والتسليم، فلا تمنحنا القصة امتلاءً كاملًا، بل تتركُ القارئ عالقًا في منطقة الرثاء، وربما كان ذلك أكثر صدقًا في تصوير لحظة الفقد الحادة.

أما قصة «الوردةِ التي لم تذبلْ» (ص 68)، على الرغمِ من قسوتها، فإنها تقدم وجهًا آخر للمجموعة؛ ففي الوقت الذي تمنح فيه بعض النصوص مساحاتٍ من التفاوض مع الفقد، تذكرنا هذه القصة بأن بعض الجروح لا تلتئم، وبعض الخسارات لا تُرد، وأن بعض الأنفاس قد تتأجل إلى غير رجعةٍ. شاب يحمل جثمان عروسه في المترو، ووردة قماشية لا تذبل لأنها لم تعرف الحياة أصلًا. وهنا تصل الصورة إلى ذروة تأثيرها، إذ تترك الكاتبة المشهد يتحدث بنفسه، دون أن تفرض عليه دلالةً بعينها.

أما إذا أردنا أن نبحث عن البطل الحقيقي للمجموعة، فلن نعثر على شخصيةٍ واحدةٍ، بل سنجد الأمومة حاضرةً بقوةٍ، لا بوصفها علاقةً بيولوجيةً، وإنما باعتبارها حالةً وجوديةً تتجاوز رابطة الدم، لتصير معنى للاحتماء. حين تعود البطلة إلى بيت أمها، تقول: «كنتُ أركضُ إلى قدميها كما لو كنتُ أطلبُ من اللهِ أن يعيدَني إلى رحمِ الأمانِ» (ص 36)، وهي صورة مدهشة تبحث عن المعنى الأول للأمان. ولا تقف الأمومة عند حدود الدم في قصة «لمسةِ قدرٍ»، فحين يتعرض شاب لحادث، وتصعد البطلة معه إلى سيارة الإسعاف، يفيق الشابُ قائلًا: «الحمدُ للهِ إنكِ بخيرٍ يا أمي»، فتُجيبه: «المهمُّ أنت بخيرٍ يا ابني» (ص 52)، فتغدو حالةً قوامها الحب والرعاية وتصل الكاتبة إلى خلاصتها الإنسانية: «الأمومةُ ليست رحمًا فقط، بل قلبًا» (ص 53). وهي عبارة صادقة ومؤثرة، تكتسب مشروعيتها الفنية لأنها لا تأتي حكمةً مجرَّدةً، بل تنبثق من موقفٍ إنسانيٍّ حيٍّ.

وفي هذا السياق، تتجسد الرحمة بوصفها قيمةً عليا تنقذ الإنسان. ففي قصة «حضنٍ»، تلتقط الكاتبة مشهدًا عابرًا في الشارع: امرأة أنيقة تبكي خوفًا من السرطان، بينما تحتضنها عجوزٌ بسيطةٌ بثيابٍ متسخةٍ، وتقول المرأة: «كنتُ أحتاجُ حضنَ أمي… فوجدتُه عندها» (ص 65)، ثم تختم المشهد بعبارة تعلن أن هذا اللقاء «كان أصدقَ ما رأيتُ من الرحمةِ البشريةِ» (ص 66). وهكذا يتحول النص، في جانبٍ مهمٍّ منه، إلى احتفاءٍ بالرحمة بوصفها الفعل الأسمى الذي يمكن أن ينقذ الإنسان من عزلته الوجودية.

وإذا انتقلنا من المضمون إلى الجانب التقني، نكتشف أن منال الجيار تعتمد لغةً فصيحةً في السرد، لكنها تهمس بالعامية المصرية في الحوارات المباشرة. هذه المعادلة ليست اعتباطيةً؛ بل هي أداة فنية لخلق مسافتين مختلفتين:

فالسرد الفصيح يعبر عن الحالة التأملية الداخلية، ويمنح الألم قدرًا من السكون والتأمل، كأن الكاتبة تنقش التجربة على لوحٍ من الرخام. تقول مثلًا: «شعرتُ بأنني خُليتُ فجأةً، لكن هذه الحريةَ لم تكن طوقًا من نورٍ، بل هواءً باردًا يغزو صدري» (ص 34)، وهنا تؤطر الفصحى المشهد في صياغةٍ تأمليةٍ. أما الحوار العامي فيعبر عن اللحظة الإنسانية الخام، ومشاعر الأمومة والحنين، مما ينزل بالألم من سماء التأمل إلى أرض المعيشة اليومية. تقول البنت لأمها: «اهدئي يا ماما، بس ربحي شوية» (ص 21)، أو يقولُ الأبُ عن ابنتِه: «دي بنت أبوهَا» (ص 16). والعامية هنا تجعل الشخصيات قريبةً وملموسةً، وكأنها تنبض بالحياة في لحظاتها الأكثر حميميةً.

هذا المزج اللغوي يمنح النصوص خصوصيةً واضحةً؛ إذ لا تختار الكاتبة بين الفصحى والعامية، بل تستخدم كلتيهما لخدمة الغرض الدرامي، مما يجعل القارئ ينتقل بين رؤية الألم من علوٍّ، عبر الفصحى، ومعايشته في تفاصيله، عبر العامية التي تعزز واقعية المشهد وحيوية الشخصياتِ.

وإذا حللنا البنية الدرامية للنصوص، سنكتشف أن معظم قصص المجموعة تتبع منحنىً هادئًا صاعدًا، يخلو من الصراع الخارجي العنيف، ويتكئ على الصراع الداخليِ: المرأة ضد وجعها، والذاكرة ضد النسيان. وتتكرر البنية في ثلاث مراحل رئيسةٍ: البناء، حيث المشهد اليومي العادي؛ والعقدة، حيث تنكشف حقيقةٌ مؤلمةٌ؛ ثم الحل، الذي يأتي إما في صورة تجاوزٍ ونقاءٍ روحيٍّ، كما في «انسحابٍ أنيقٍ»، أو في صورة انكسار كاملٍ، كما في «الوردةِ التي لم تذبلْ». غير أن هناك قصتين خرجتا عن هذا النمط؛ «ابنةُ قلبي» و«بينَ الحدادِ والميلادِ»، حيث تخلوان من عقدةٍ مفاجئةٍ، وتمضيان في سرديةٍ أفقيةٍ خطيةٍ تشبه المذكرات أكثر من القصة القصيرة. وهذا يكشف أن الكاتبة أحيانًا تُخضع البناء الفني، في بعض المواضع، لسلطة الذاكرة وشجن التذكر، وهو خيار جمالي يجعل العمل أقرب إلى «أدب الاعتراف» منه إلى «أدب الإدهاش». وهذا الاختلاف في البنية يمنح المجموعة تنوعًا إيقاعيًا؛ فالقارئ ينتقل بين قصصٍ تكثف الألم في مشهدٍ واحدٍ، كالوردة القماشية، وقصصٍ توزع الألم على امتداد الزمن.

الإهداء الممتد في الصفحات 5-7 ليس مجرد مجاملةٍ، بل هو مفتاح للعالم الداخلي للكتاب. تقول الكاتبة:

«إلى الذين غرسوا بداياتي بضياءٍ لا ينطفئ... إلى سيّدةِ قلبي: أُمّي»

«إلى زوجي الذي رحلَ جسدًا وبقي أثرُه أنفاسًا لا تُؤجَّلُ»

«إلى أحفادي... هذه حكاياتي لكم».

والقراءة النفسية لهذا النص الموازيِ تكشف أن الكتاب يُكتب من مسافةٍ بين الأجيال: الأم، بوصفها ماضيًا؛ والزوج، بوصفه غيابًا حاضرًا؛ والأحفاد، بوصفهم مستقبلًا. إذن هو فعل توثيقٍ وجدانيٍ، تحاول الكاتبة من خلاله أن تترك أثرًا ملموسًا قبل أن تُؤجل أنفاسها هي أيضًا. وهذا الإهداء يفسر لنا لماذا تتكرر موضوعات الأمومة والبنات؛ لأن الكتاب في جوهره وصيةٌ عاطفيةٌ، وصياغةٌ للمعنى الذي تريد أن تتركه خلفها. وبالتالي، فإن النصوص لا تُقرأ بمعزلٍ عن هذا الإهداء، بل هي امتداد له، وشروح عاطفية تفصيلية له.

في عددٍ كبيرٍ من النصوص، الراوي امرأة في منتصف العمرِ، لكنها أحيانًا تتحدث بصوتها المباشر، كما في «لا تطلق سراحي» (ص 34)، وأحيانًا بصوت راويةٍ عليمةٍ تحكي عن شخصيةٍ أخرى، كما في «سيدِ الكلماتِ» (ص 41) عن إيمانَ، أو «الوردةِ التي لم تذبلْ». وهذا التبدل بين الضمير المتكلم «أنا» والضمير الغائب «هي» تقنية ذكية. فـ«الأنا» تمنح النصَوصدقًا اعترافيًا، وكأننا نقرأ يوميات الكاتبة، كما في «غفوةٍ خائنةٍ»، مما يخلق أثيرًا حميميًا مع القارئ. أما الضمير الغائب، فيمنح الحدث عموميةً؛ أي أن هذا الألم ليس خاصًا بالكاتبة وحدها، بل هو نموذج إنساني يتكرر، مثل إيمان في «سيدِ الكلماتِ»، وحتى الطفل آدم في «ضحكةٍ... تغسلُ وجعًا». وهذا التبدل يثري التجربة السردية، رغم أن الغالبية العظمى من النصوص تميل إلى «الأنا»، مما يُشعر القارئ بأنه يستمع إلى شهادةٍ حيةٍ، ويعطي المجموعة نغمةً موحدةً قد تُقرأ كقوةٍ، في وحدة الرؤية، أو كحدٍّ من تعدد الأصوات. لكنها، في سياق العمل الوجدانيِ، تبدو اختيارًا مقصودًا للحفاظ على دفء الاعتراف.

ولا تقف «أنفاسُ مؤجلةٍ» بمعزلٍ عن راهن الأدب العربي المعاصر، بل يمكن مقاربتها ضمن ما يُصنف بـ«أدب التعافي» أو ما يُعرف بـ«سرديات الحزن»، وهو تيار برز في بعض الكتابات النسائية العربية المعاصرة، وجعل الكتابة وسيلةً للبوح وجسرًا لإعادة بناء الذات وطريقًا إلى الترميم الوجداني.

ويقترب العمل في روحه من بعض تجارب فاطمة ناعوت، ولا سيما في اعتماده على التجربة الداخلية واللغة التي تجعل من الألم مادةً للتأمل والكشف، بيد أن منال الجيار تبدو أكثر هدوءًا وأقل انفعالًا على المستوى البلاغي؛ إذ تلجأ إلى المشهد العابر والتفصيل الإنساني وتتحاشى الإطالة والاسترسال في التصريح.

وفي الأدب العالمي، يمكن أن تستدعي تجربة الرثاء في المجموعة، من زاويةٍ مختلفةٍ، بعض أصداء «عام التفكير السحري» لجوان ديديون؛ لكن منال الجيار تستبدل التأمل الفردي في الفقد بسياقٍ أكثر التصاقًا بالحضن الشرقي، والأمومة، والدعاء، واللجوء إلى الله. والمقارنة هنا لا تضع التجربتين في مرتبةٍ واحدةٍ، وإنما تساعد على رؤية «أنفاسِ مؤجلةٍ» ضمن كتابةٍ إنسانيةٍ تجعل من الفقد طريقًا إلى إعادة بناء المعنى.

ومن باب الموضوعية والإنصاف، تظل هناك بعضزالملاحظات التي لا بُد من الإشارة إليها لإثراء الحواروالنقدي وفتح مساحةٍ أوسع للحوار. وفي هذا السياق، تتكرر في المجموعة أنماط محددة: موت يعقبه ميلاد، دعاء. وفي النهاية، حضور البنات، والبحث عن التعويض.

وهذا التكرار يحتمل قراءتين، فقد يُقرأ إيجابًا بوصفه نوعًا من طقوس تعزيةٍ لمواساة الذات، كما قد يُحسب على أنه محدوديةٌ في التنويع الدرامي. لكنه يبدو أقرب إلى طبيعة هذا النوعومن الكتابة الوجدانية، التي تنبع من الذاكرة أكثر مما تنبع من الرغبة في التنويع الدرامي والتقني في العمل.

كذلك تبدو بعضُ الخواتيمِ أكثرَ مباشرةً في دلالاتِها؛ إذ تمنح بعض القصص القارئ المعنى كاملًا في النهاية، بينما تختار قصص أخرى، مثل «الوردةِ التي لم تذبلْ»، أن تصمت مكتفيةً بقوة الصورة وحدها دون تصريحٍ. ولعل هذا الصمت أحد مكامن القوة الدرامية التي يمكنزالبناء عليها في أعمالٍ مقبلةٍ.

ويضاف إلى ذلك هيمنة صوت الراوي الواحد؛ فعلى الرغم من تنوع الشخصيات، يبقى الصوت السرديُزحاضرًا بقوةٍ، وهذا يمنح المجموعة تماسكًا وجدانيًا واضحًا، وإن كان يأتي أحيانًا على حسابِ تعدد الرؤى والأصوات الداخلية.

كما تغلب على بعض المقاطع نزعة الكاتبة إلى تقديم الحكمة جاهزةً للقارئ، وهو خيار مشروع في الكتابة الوجدانية وفي أدب البوح العاطفي في العموم، لكن القارئ قد يشعر أحيانًا أنه يُقاد إلى المعنى بدلًا من أن يكون شريكًا في بنائه.

ورغم ذلك، تبقى حرارة التجربة التي تفيض بها العبارات هي الضامن لقيمتها وثرائها، وهذا الصدق العاطفيُ له جمهوره وتأثيره الخاص لدى من يتذوقون الكتابة الوجدانية.

خاتمة القراءة

في النهاية، لا أظن أن «أنفاسَ مؤجلةٍ» عمل يُقرأ بالعقل وحده، بل هو نص يحتاج إلى أن يُقرأ بالقلب أيضًا. إنها ليست كتابًا يحكي عن الموت، بقدر ما يحكي عن الحياة بعد الموت. وليست عن الفقد، بل عن القدرة على مواصلة الطريق رغم الفقد. ولا عن الألم، بل عن المعنى الذي يولد من رحم الألم.

لقد علمتنا منال الجيار، عبر هذه النصوص، أن الحياة ليست عَدًّا للخسائر وأنها لا تُقاس بعدد ما نفقده، بل هي قدرتنا على أن نمنح معنىً لما تبقى بين أيدينا.

ولهذا فإن «أنفاسَ مؤجلةٍ» ليست كتابًا عن الذين رحلوا بقدر ما هي كتاب عن الذين بقوا، وتعلموا كيف يحملون أحبتهم في قلوبهم، لا على أكتافهم.

ولعل العبارة التي كتبتها منال الجيار في نهاية «لا تطلق سراحي» تصلح أن تكون خاتمةً لهذا التحليل كله:

«اللهمَّ لكَ الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهكَ وعظيمِ سلطانِك… أنا بخيرٍ… بدأتُ أراكَ في كلِّ ما حولي لا في غيابِك» (ص 40).

فهي ليست صيغةً تعبر عن الرضا فقط، بقدر ما هي إعلان عن قدرة الإنسان، مهما أثقلته الخسارات، على الاحتفاظ بنَفَسٍ أخيرٍ من الأمل، وبقدرةٍ خفيةٍ على البدء من جديد.

ولعل هذا هو السر الأعمق وراء تأجيل الأنفاس: ليس الموت فيها، بل التريث وانتظار اللحظة المناسبة لتُطلق من جديد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z