محمد بن أنور البلوشي **
لا أذكر سوى الوطن كلما مرّ في خاطري شعر نزار قباني وغنّته ماجدة الرومي بصوت يحمل شيئًا من وجع بيروت وكبريائها. "يا ستّ الدنيا يا بيروت" ليست عندي مجرد عبارة شعرية، بل باب يفتح على سؤال أكبر: ماذا يعني أن يكون للإنسان وطن؟ وكم يكون الإنسان سعيدًا حين يجد نفسه في أحضان أمه؛ نعم، أمه التي اسمها الوطن.
أليس الوطن نعمة من نِعَم الله؟ أن تستيقظ صباحًا وأنت تتحدث لغتك دون خوف، وتنادي أمك باللهجة التي ورثتها عن جدتك، وتلبس ثوبك الوطني دون أن تخفيه، وتغني أغاني أرضك، وتمشي في شوارع تحمل أسماء تعرفها، وتلعب طفلًا في ترابها، ثم تكبر وأنت تعرف أن لهذا التراب ذاكرة، وأن لك فيه اسمًا وهويةً وحكاية.
لكن... كم يحزن الإنسان حين يرى وطنه تحت سُلطة مستعمر، وكأنَّ لغته لم تعد لغته، وهويته أصبحت شيئًا يحتاج إلى إذن، وتاريخه يكتبه شخص آخر. عندها لا يكون الاحتلال مجرد وجود أجنبي فوق الأرض، بل قد يتحول إلى محاولة للسيطرة على الذاكرة أيضًا: ماذا نتعلم؟ بأي لغة نتكلم؟ كيف نروي تاريخنا؟ ومن يملك حق تعريفنا؟
والتاريخ الإنساني مليء بهذه المفارقة المؤلمة. فمنذ الحضارات القديمة عرف الإنسان العبودية، وعرف أن إنسانًا يمكن أن يسلب إنسانًا آخر حريته ويعامله كأنه ملكية. وفي اليونان وروما القديمتين، وعلى امتداد حضارات ومناطق متعددة، كانت العبودية جزءًا من أنظمة اقتصادية واجتماعية لقرون طويلة.
ثم اتخذت مأساة الاستعباد أبعادًا هائلة مع تجارة الرقيق عبر الأطلسي، حين اقتُلعت أعداد ضخمة من الأفارقة من أوطانهم ونُقلوا قسرًا بعيدًا عن أرضهم وأسرهم ولغاتهم. كانت المأساة أكثر من فقدان الحرية؛ كانت اقتلاعًا للإنسان من جذوره ومحاولة لتحويله من صاحب اسم وذاكرة إلى مجرد قوة عمل.
ومع ذلك، لم تكن قصة التاريخ قصة عبودية فقط، بل كانت أيضًا قصة مقاومة طويلة من أجل الحرية. في أواخر القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر اتسعت حركات إلغاء الرق، وكانت الثورة الهايتية التي بدأت عام 1791 حدثًا استثنائيًا في تاريخ الحرية؛ إذ انتفض المُستعبَدون وانتهى مسار الثورة بإعلان استقلال هايتي عام 1804.
وفي بريطانيا أُلغي الاتجار بالرقيق سنة 1807، ثم توسع إلغاء العبودية في معظم الإمبراطورية البريطانية بقانون 1833. وفي الولايات المتحدة انتهت العبودية قانونيًا بالتعديل الثالث عشر للدستور سنة 1865، وإن بقي الطريق إلى المساواة الفعلية طويلًا ومؤلمًا.
ثم جاء القرن العشرون ليحمل شكلًا آخر من معارك الحرية: تحرر الشعوب من الاستعمار. من آسيا إلى أفريقيا، ارتفعت أصوات تقول إن الأرض ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة، بل حق في تقرير المصير. وبعد الحرب العالمية الثانية تسارعت حركات الاستقلال، وأصبحت الحرية الوطنية جزءًا أساسيًا من الخطاب الدولي. وفي عام 1948 أعلنت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. يا لها من جملة قصيرة، لكنها تحمل خلفها قرونًا من الألم والنضال!
ولعل بيروت تعرف معنى هذه الكلمات أكثر من مدن كثيرة. بيروت التي خرجت من الحكم العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، وعاشت مرحلة الانتداب الفرنسي، ثم شهد لبنان استقلاله عام 1943 ورحيل آخر القوات الفرنسية عام 1946. لكنها لم تحصل بعد ذلك على وعد بحياة بلا ألم؛ فقد عاشت الحروب والانقسامات والاحتلالات والاغتيالات والانفجارات والأزمات. ومع ذلك بقيت بيروت تنهض، وكأن المدينة تعلم أبناءها درسًا غريبًا: قد تُجرح المدن، لكنها لا تفقد روحها بسهولة.
لهذا، حين أقول "يا ستّ الدنيا يا بيروت"، فأنا لا أتحدث عن بيروت وحدها. أتحدث عن كل وطن ذاق أهله معنى أن يخافوا على لغتهم وهويتهم وذاكرتهم. أتحدث عن الإنسان الذي يريد أن يقول: هذه أرضي، وهذه لغتي، وهذا تاريخي، وهذا اسمي، دون أن يحتاج إلى موافقة أحد.
فالحرية ليست فقط أن تخرج من السجن؛ الحرية أن لا يتحول وطنك إلى سجن. وليست الحرية أن ترفع علمًا في يوم الاستقلال ثم تنسى معناه في بقية أيام السنة. الحرية الحقيقية أن يعيش الإنسان في وطن يحفظ كرامته، ويصون حقوقه، ويتيح له أن يفكر ويتعلم ويعمل ويحلم، وأن يشعر بأن صوته له قيمة.
الوطن في النهاية يشبه الأم. قد نغضب منه، وقد نبتعد عنه، وقد نشكو من قسوته، لكننا حين نضيع نبحث عن الطريق المؤدي إليه. وحين نعود، تكفينا رائحة شارع قديم أو كلمة بلهجتنا أو وجه يشبه وجوه طفولتنا لندرك أن الإنسان يستطيع أن يسافر إلى ألف مدينة، لكنه يحمل وطنًا واحدًا في داخله.
يا ستّ الدنيا يا بيروت... ويا كل أوطان الدنيا، ما أجمل أن تكون الأرض حرة، وما أعظم أن يكون الإنسان حرًا فوق أرضه. لأن الوطن بلا حرية مجرد جغرافيا، والحرية بلا كرامة مجرد كلمة، أما حين يجتمع الوطن والحرية والكرامة، فهناك فقط يبدأ المعنى الحقيقي للإنسان.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
