صلالة.. يَكبُر الموسم وتضيق المدينة

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

هذا الموضوع ظَلَّ يراودني، كما يراود كثيرين من أبناء مدينة صلالة؛ يظهر بقوة أحيانًا ويخفت في أحيان أخرى، إلّا أن ما تشهده المدينة اليوم، وما يتكرر بصورة أكثر وضوحًا مع كل موسم خريف، جعل طرحه للنقاش ضرورة تفرضها التحولات التي شهدتها صلالة خلال السنوات الأخيرة، والزيادة الكبيرة في أعداد سكانها وزوارها ومركباتها.

ولا يُمكن، ونحن نطرح هذا الموضوع، إلّا أن نقدر بدايةً الجهود التي تبذلها الجهات المختصة في تطوير المدينة وتحسين بنيتها الأساسية، والارتقاء بالخدمات والمرافق العامة، والعمل على تلبية المتطلبات المتزايدة للسياحة في ظفار؛ بما يواكب النمو الذي تشهده صلالة ويعزز مكانتها وجهة سياحية تستقطب أعدادًا متزايدة من الزوار عامًا بعد عام. وقد انعكست هذه الجهود في كثير من المشروعات والخدمات والتحسينات التي شهدتها المدينة، وهي جهود تستحق التقدير والبناء عليها، خصوصًا في ظل النمو المتسارع الذي يشهده الموسم وما يفرضه من احتياجات وتحديات متجددة.

ويُمثِّل موسم الخريف جزءًا أصيلًا من هوية ظفار وذاكرتها، وموسمًا ينتظره النَّاس عامًا بعد عام، كما أصبح رافدًا سياحيًا واقتصاديًا مهمًا للمحافظة وللسلطنة عمومًا. ومع اتساع الإقبال عليه وتطور برامجه وفعالياته، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر باستمرار في كيفية تنظيم هذه الفعاليات وتوزيع مواقعها بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها مدينة صلالة. ومن هنا يبرز السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحًا: أين ينبغي أن تقام هذه الفعاليات، وكيف يمكن تنظيمها بحيث تستوعب المدينة زوارها من دون أن تتحول حياة سكانها اليومية إلى معاناة تمتد طوال الموسم؟

المشكلة، في تقديري، لم تعد في كثرة الزوار ولا في تعدد الفعاليات، بل في كيفية استيعاب مدينة تغيرت كثيرًا لموسم تضاعف حجمه، في ظل واقع عمراني وشبكة طرق لا تزال أجزاء مهمة منهما غير قادرة على استيعاب هذا النمو والحركة الموسمية الاستثنائية في الوقت نفسه.

صلالة، بطبيعتها الجغرافية والعمرانية، مدينة ممتدة في شريط محدود نسبيًا بين البحر والجبل. وقد اتسعت رقعتها العمرانية وازداد عدد سكانها ومركباتها خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة، بينما لا تزال أجزاء مهمة من شبكة شوارعها ومحاورها الحيوية دون المستوى الذي يسمح لها باستيعاب هذا النمو، فضلًا عن استيعاب الزيادة الاستثنائية التي تحدث خلال موسم الخريف.

وفي الأيام العادية نلمس آثار ذلك في عدد من الشوارع والتقاطعات والمحاور الرئيسية. أما في موسم الخريف فتتغير الصورة بدرجة أكبر، مع تدفق أعداد كبيرة من الزوار والمركبات خلال فترة زمنية محدودة، لتصبح الطرق التي تخدم السكان طوال العام مطالبة، في الوقت نفسه، باستيعاب حركة سياحية موسمية هائلة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تقام فعاليات وبرامج موسمية كبيرة في قلب المدينة، أو بالقرب من الأحياء السكنية، وعلى مسارات يستخدمها السكان يوميًا للوصول إلى أعمالهم ومنازلهم وأسواقهم ومستشفياتهم، وقضاء حاجاتهم الضرورية والوفاء بالتزاماتهم الاجتماعية.

وهنا يصبح الازدحام في جانب منه، نتيجة للطريقة التي توزع بها الحركة والفعاليات داخل المدينة؛ فالزائر المتجه إلى فعالية ترفيهية يمتلك، في الغالب، قدرًا من المرونة في اختيار المكان والوقت، بينما يتحرك المقيم في الشوارع نفسها لأنه مضطر إلى الوصول إلى عمله أو منزله أو المستشفى أو السوق، أو لأداء واجب اجتماعي لا يستطيع تأجيله؛ من زيارة مريض، أو حضور عزاء، أو صلة رحم، أو غير ذلك من الالتزامات التي تشكل جزءًا أساسيًا من حياة المجتمع اليومية.

وتكتسب هذه المسألة في ظفار أهمية خاصة خلال موسم الخريف؛ إذ تقام خلاله نسبة كبيرة من حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية، مستفيدة من وجود أفراد الأسر والأقارب الذين يعود كثير منهم إلى المحافظة في هذه الفترة، وهو ما يُضيف إلى الحركة اليومية للسكان تنقلات اجتماعية واسعة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حركة يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها. وعندما تتقاطع هذه الحركة مع حركة الزوار والفعاليات في المساحات نفسها وفي الساعات نفسها، تتحول أبسط الاحتياجات والواجبات اليومية إلى رحلة مرهقة، ويصبح الخروج من المنزل والعودة إليه عبئًا يتكرر كل يوم.

ولهذا يبدو من الضروري إعادة النظر في حجم ونوعية الفعاليات التي تقام داخل النطاق الحضري المزدحم؛ فصلالة ليست موقعًا للفعاليات فقط، وإنما مدينة يعيش فيها الناس طوال العام، ومن حقهم أن تظل قابلة للحركة والحياة حتى في ذروة الموسم السياحي.

ومن الإنصاف هنا الإشارة إلى الخطوة الجيدة التي أقدمت عليها الجهات المختصة خلال السنوات الأخيرة، من خلال توزيع الفعاليات على أكثر من موقع بدل تركيزها في مكان واحد، وهو توجه أسهم بصورة ملموسة في تخفيف الضغط عن بعض المناطق والحد من الاختناقات التي كانت تنتج عن تجمع أعداد كبيرة من الزوار والمركبات في نطاق محدود. وهذه خطوة مهمة ينبغي البناء عليها وتطويرها.

ما كان ممكنًا قبل عشرين عامًا لم يعد بالضرورة صالحًا اليوم؛ لأن أعداد السكان تغيرت، والمركبات تضاعفت، وحجم الإقبال السياحي على ظفار أصبح مختلفًا، واتسعت البرامج والفعاليات والخدمات المرتبطة بالموسم. ولذلك فإنَّ المرحلة المقبلة تتطلب المضي أبعد في توزيع الفعاليات، وربط اختيار مواقعها بحجم الحركة التي تستقطبها وقدرة الطرق المحيطة بها على استيعابها.

والمطلوب، في رأيي، ليس فقط توسيع بعض مواقع الفعاليات أو توفير مواقف إضافية حولها، وإنما إعادة التفكير في خريطة موسم الخريف بأكملها، انطلاقًا من مبدأ بسيط، وهو نقل أكبر قدر ممكن من الحركة الموسمية غير الضرورية إلى خارج المناطق السكنية والمزدحمة، بدل استقدام المزيد منها إلى داخلها.

ومن هنا يمكن التوسع في إقامة الفعاليات، وخصوصًا تلك التي تستقطب أعدادًا كبيرة من الجمهور والمركبات، في مواقع مناسبة خارج الكتلة العمرانية المزدحمة، على أن يجري اختيارها وفق قدرتها على استيعاب الحركة وسهولة الوصول إليها من الطرق الرئيسية، من دون الحاجة إلى عبور وسط المدينة أو الأحياء السكنية.

ولا يعني ذلك نقل الازدحام من موقع داخل المدينة إلى موقع آخر على أطرافها، وإنما توزيع الفعاليات بصورة مدروسة على عدد من المواقع، وفق طبيعة كل نشاط وحجمه والطاقة الاستيعابية للطرق والمواقف المحيطة به. فالغاية ليست إخراج الفعاليات من المدينة لمجرد إخراجها، بل منع تركز الحركة في نقاط محددة، وخلق مسارات متعددة تتيح للزوار الوصول إلى وجهاتهم من دون زيادة الضغط على المحاور التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

وهذا التوجه يمثل، في جوهره، امتدادًا لما بدأ بالفعل خلال السنوات الأخيرة من توزيع الفعاليات على أكثر من موقع، لكنه يحتاج إلى أن يتحول إلى مبدأ أساسي في تخطيط الموسم. كل فعالية كبيرة ينبغي أن يقترن اختيار موقعها بدراسة أثرها على حركة المدينة، وألا يقاس نجاح الموقع فقط بقدرته على استيعاب الجمهور، بل أيضًا بقدرته على استيعاب حركة الوصول إليه والخروج منه من دون أن يصنع اختناقًا جديدًا في مكان آخر.

والأمر نفسه ينطبق على مواقع الكرفانات التي يتزايد حضورها في موسم الخريف؛ فالكرفان ليس مركبة تحتاج إلى مكان للتوقف فحسب؛ وعندما تتجمع أعداد كبيرة من الكرفانات في موقع واحد، فإننا نتحدث عمليًا عن تجمع سكني موسمي يحتاج إلى المياه والصرف والنظافة والخدمات والأمن ومداخل ومخارج وتنظيم مستمر.

ولهذا ينبغي اختيار مواقع مخصصة لها خارج الأحياء السكنية، وقريبة من الطرق والخدمات والمواقع السياحية، ومجهزة مسبقًا لهذا الغرض، بدل اختيار أماكن قريبة من مساكن المواطنين أو استخدام المساحات المفتوحة التي تمثل متنفسًا طبيعيًا لأبناء المدينة.

هذه المساحات هي جزء من المجال العام للمدينة، وبعضها من المساحات القليلة التي يجد فيها السكان متنفسًا بعيدًا عن الكثافة العمرانية المتزايدة. ومن غير المنطقي أن تؤدي زيادة النشاط السياحي إلى تضييق المساحات المتاحة لأهل المدينة أنفسهم. فالسياحة الناجحة ينبغي أن تضيف إلى المدينة، لا أن تنتزع من سكانها مساحاتهم القليلة المتبقية.

غير أن توزيع الفعاليات ونقل الأنشطة ذات الكثافة الجماهيرية العالية ومواقع الكرفانات بعيدًا عن المناطق المزدحمة لن يحقق غايته كاملة من دون معالجة حركة المركبات نفسها؛ فمع استمرار ارتفاع أعداد الزوار، سيكون من الصعب الاعتماد إلى ما لا نهاية على المركبة الخاصة بوصفها وسيلة شبه وحيدة للتنقل خلال الموسم.

ويمكن إنشاء مواقف كبيرة عند مداخل المدينة وبالقرب من مواقع الفعاليات الواقعة خارج المناطق المزدحمة، وتشغيل حافلات منتظمة تربط بينها وبين المواقع السياحية والأسواق والمناطق الحيوية، إلى جانب خطوط موسمية تربط الفنادق ومناطق الإقامة بأبرز الوجهات. والهدف هنا ليس التضييق على استخدام المركبات الخاصة، وإنما إيجاد بديل عملي ومريح يجعل ترك السيارة خيارًا ممكنًا. فكل حافلة تنقل عشرات الأشخاص تعني عشرات السيارات الأقل على الطرق، ومساحات أقل مطلوبة للمواقف، وضغطًا أخف على المدينة.

كما ينبغي تجنب تركيز معظم الأنشطة الجماهيرية في مواقع متقاربة وفي أوقات متشابهة. ويمكن أن يرتبط تخطيط الفعاليات بالطاقة الاستيعابية للطرق والمواقف، وأن توزع البرامج زمانيًا ومكانيًا بحيث لا تتجه الكتل الأكبر من المركبات إلى المواقع نفسها وفي الساعة نفسها.

وأصبح من الضروري كذلك الاستفادة من البيانات الفعلية لحركة المرور خلال الموسم، أين تحدث الاختناقات؟ وفي أي ساعات؟ ومن أين تأتي المركبات؟ وإلى أين تتجه؟ وما المواقع التي تستقطب النسبة الأكبر منها؟ فإدارة موسم بهذا الحجم معناها إدارة لمدينة يتغير حجم استخدامها بصورة استثنائية لعدة أشهر من كل عام.

وثمة مبدأ أراه ضروريًا في أي تخطيط مستقبلي للموسم، وهو حق السكان في استمرار حياتهم الطبيعية؛ فنجاح الخريف لا ينبغي أن يقاس بعدد الزوار والفعاليات ونسب الإشغال وحدها، وإنما أيضًا بقدرة صلالة على استقبال هذه الأعداد من دون أن تصبح حياة سكانها اليومية أكثر صعوبة. ومن حق المقيم أن يصل إلى عمله ومستشفاه وسوقه ومنزله، وأن يؤدي واجباته الاجتماعية ويتنقل بين أحياء مدينته، من دون أن تتحول كل حركة يقوم بها إلى رحلة ينبغي أن يحسب لها الوقت والطريق والازدحام قبل أن يغادر منزله.

ولا يوجد تعارض بين موسم سياحي ناجح ومدينة يستطيع أهلها ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، كما لا يوجد تعارض بين استقبال الزائر بحفاوة وحماية هدوء الأحياء السكنية والمُتنفَّسات العامة؛ بل إن تحقيق الأمرين معًا هو أحد أهم مؤشرات نجاح التخطيط.

صلالة اليوم ليست صلالة قبل عقدين أو ثلاثة، وخريف ظفار لم يعد موسمًا سياحيًا محدودًا يمكن التعامل معه بحلول مؤقتة تتكرر كل عام. إنه موسم سياحي كبير، ومرشح لمزيد من النمو، ولذلك أصبح بحاجة إلى مخطط شامل ومستقل لإدارة الموسم، يتجاوز برنامج الفعاليات ليشمل الطرق ومداخل المدينة والمواقف والنقل الجماعي ومواقع الكرفانات والأسواق الموسمية ومواقع الفعاليات وحماية الأحياء السكنية والمُتنفَّسات العامة.

والفكرة ليست إبعاد الخريف عن صلالة، ولا إبعاد الزائر عنها، وإنما إعادة توزيع الحركة والأنشطة بطريقة تجعل الموسم أكثر راحة للزائر والمقيم معًا؛ فالزائر الذي جاء إلى ظفار من أجل طبيعتها ومناخها لا يحتاج إلى أن تكون جميع الفعاليات في وسط المدينة. وقد تكون المواقع المنظمة خارج الكتلة السكنية أكثر راحة له أيضًا؛ يصل إليها بسهولة، ويجد موقفًا لمركبته وخدمات مناسبة، ويقضي وقته بعيدًا عن الاختناقات التي أصبح يعاني منها الزائر كما يعاني منها المقيم.

لقد نجح خريف ظفار في الوصول إلى الناس، ولم تعد المشكلة في كيفية استقطابهم. التحدي المقبل هو كيف نستقبل أعدادًا أكبر، ونقدم موسمًا أفضل، من دون أن نحمل صلالة وسكانها فوق ما تستطيع المدينة احتماله.

وربما آن الأوان لأن ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى: ليس باعتبار الخريف موسمًا ينبغي للمدينة أن تتكيف معه مهما كان الثمن، وإنما موسمًا ينبغي أن نعيد تخطيطه بحيث يتكيف هو أيضًا مع المدينة؛ فصلالة بيت لأهلها، ووجهة لضيوفها، والتخطيط الناجح هو الذي يجعلها تتسع لكليهما، ويترك لهذه المدينة الجميلة مساحة كافية لكي تتنفس.

الأكثر قراءة

z