البِتُهوي

 

 

 

 

عائض الأحمد

جميلةُ المنظر، بهيّةُ الطلعة، تطير من غصنٍ إلى غصنٍ برشاقةٍ ساحرة، تميل بها الرياح، فيتبعها قلبٌ مالَ منذ زمن، وتعلّق بها أينما علقت.

هي البِتُهوي؛ طائرٌ سامّ، يسكن الجمالَ في ريشه، ويُخفي السمَّ في أنفاسه.

ومن منّا لم يأخذه قلبُه قبل عقلِه؟

كأنّي أقول لها: «بُعدُك سمٌّ أكابده، وقربُك سمٌّ يسري في دمي».

أحببتُها كما يُحبّ المسافرُ طريقَه؛ يُهلكه امتدادُه، ويُرعبه انقطاعُه. كانت النسمةَ الأولى في صدري، وصوتُها يوقظُ فيَّ طفولةَ الفرح، لكنها البِتُهوي؛ لا تُعانقُ إلا لتُؤلم، ولا تُؤذي إلا من أحبَّها أكثر.

في حضورها يتبدّل مزاج الكون، تغدو الأشياء أكثر بريقًا، حتى الصمتُ يصبح موسيقى، والغروبُ يلبس لونها المفضل. لكنّها حين تغيب، تخفتُ الألوانُ، ويتثاءبُ الضوء، ويغدو المكانُ فارغًا كقلبٍ لم يُدرك بعدُ معنى الفقد.

كم حاولتُ أن أروّضَ قلبي على النسيان، فأجدُه كلّما اقتربَ من التعافي، عاد يفتّش في رمادِها عن شرارةٍ تبقيه حيًّا.

يبدو أن بعضَ القلوب خُلقت لتسكن الألم، كما تُخلق بعضُ الطيور لتبقى في السماء؛ تطيرُ ولا تُمسك، تلوّحُ ولا تُصافح.

أصحو على صوتها وأغفو به. حديثُنا نظراتٌ، ولقاؤُنا سكراتُ عطشى، ملؤُهم الظمأُ، لا يرتوون وإن شربوا من الحنين.

كانت أحلامُنا عُشًّا صغيرًا يجمع عاشقَينِ التقيا على دفءِ الأمل. وسارت بنا الأيامُ، فما كان منّا قد كان. وحين غزا البياضُ رؤوسَنا، تهاوت قصورُ الرمال، وطارت بها الريح.

وما بقي منّا سوى ريشةٍ عالقةٍ في الذاكرة، تفوح بعطرِ الوداع، وتُذكّرني.. أن بعضَ الجمالِ قاتلٌ، وأن بعضَ السمّ.. حياة.

لها: كانت تشبه الحلم، لكنه حلمٌ يوقظك على وجعٍ جميل.

شيءٌ من ذاته: أقربُ إليك من أنفاسك، وأبعدُ من أن يراك.

نقد: تغفر وتسامح، وتنفض ما علق بها، تتسامى مع ذاتها، وتهدم صومعتها، وتُزهق نفسًا يعلو بحضورها.

من جمع المتناقضات في كفٍّ واحدة، ستغنيه عن الأخرى.

الأكثر قراءة

z