فخامة برج الأسد

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

لا أعرف لماذا يُصر الناس، كلما تعرفوا إليّ، على أن يسألوني سؤالًا واحدًا: "أنتِ من مواليد برج الأسد، صحيح؟" والأطرف أنهم لا ينتظرون الإجابة، هم مقتنعون بها أصلًا!

يكفي أن أقول رأيي بثقة، حتى يبتسم أحدهم ويقول: "آه.. واضح برج الأسد".

وإذا رفضت التراجع عن رأيي.. يقولون "عناد الأسد".

وإذا توليت مسؤولية عمل.. "شخصية قيادية.. برج الأسد".

وإذا غضبت.. "هذا طبع الأسد".

وأحيانًا أشعر أنه لو تعثرت على الدرج، سيقول أحدهم: "واضحة.. مواليد الأسد لا ينتبهون للسلالم".

أو لو نجحت يومًا في إصلاح اتصال الإنترنت في المنزل، سيقول أحدهم: "طبعًا.. مواليد الأسد عندهم طاقة كونية خاصة مع الأجهزة الالكترونية".

لا أخفيكم.. في البداية كنت أضحك. ثم بدأت ألاحظ أن برج الأسد يحصل على إنجازات لم يتعب فيها إطلاقًا. ومع الوقت، بدأت أشعر أن بيني وبينه مشكلة في توزيع الأرباح.

أنا أمُر بالتجربة، وأتعلم، وأخطئ، وأعيد المحاولة، وأقضي سنوات أبني شخصيتي.. ثم يصل هو في النهاية ليأخذ الصورة التذكارية.

أعتقد أن الطريقة التي نتحدث بها عن الأبراج تشبه قليلًا شراء جهاز كهربائي.

مواليد الأسد: قيادة، ثقة، كرم، عناد، وحب للظهور.

يرجى الاحتفاظ بتاريخ الميلاد لإثبات الضمان.

وكأن الإنسان يصل إلى الدنيا ومعه ورقة مواصفات صغيرة معلقة بقدمه، إلى جانب اسمه ووزنه وفصيلة دمه:

الشخصية: قوية.

القيادة: مفعّلة.

العناد: يأتي مثبتًا من المصنع.

التوافق مع الأبراج الأخرى: يُرجى مراجعة الوكيل.

وهنا بدأت مشكلتي الحقيقية مع الأبراج. ليس لأنني أمانع أن يشاركني الأسد بعض المجد، فأنا كريمة إلى هذا الحد. لكن لأن فكرة أن اثني عشر برجًا فقط تستطيع اختصار أكثر من 8 مليارات شخصية، تبدو لي طموحة جدًا.. حتى بمعايير برج الأسد.

وهو اختصار رائع فعلًا، لدرجة أنني لا أفهم لماذا ما زلنا نكتب السير الذاتية أصلًا. وأتخيل أحيانًا مقابلة عمل تجري بهذه الطريقة.

– حدثينا عن خبراتك.

– عشر سنوات عمل.

– ممتاز.. لكن ما برجك؟

– الأسد.

– أحسنتِ، لا داعي لنقرأ السيرة الذاتية.

أو أتخيل المحكمة.

– لماذا قتلت زوجتك؟

– آسف، أنا برج العذراء.

– مفهوم.. براءة.. أُغلقت القضية.

والمشكلة الأكبر أن الأبراج لا تكتفي بتفسير نجاحاتنا وسرقة الفضل عليها. بل تدافع عن أخطائنا أيضًا.

إذا كنت عصبيًا.. "هذا طبع البرج".

إذا كنت غيورًا.. "الأبراج قالت ذلك".

إذا تأخرت عن موعدك ساعة ونصف.. فغالبًا سيظهر شخص ليقول إن عطارد تراجع، وأن الوقت نفسه لم يكن متعاونًا.

وأنا أشفق على عطارد بصراحة. فهذا الكوكب يتحمل أخطاء أكثر مما ينبغي.

لكن أكثر ما يضحكني في الموضوع، هو أننا نساعد الأبراج على الفوز دائمًا.

إذا قرأت اليوم: "مواليد الأسد يحبون التقدير، لكنهم يفضلون أحيانًا البقاء وحدهم".

سأقول: صحيح.

إذا كتبوا: "مواليد الحوت لديهم شخصية قوية، لكنهم يملكون جانبًا حساسًا".

صحيح أيضًا.

"مواليد القوس يتخذون قرارات سريعة، لكنهم يفكرون كثيرًا".

يا سلام.. صحيح.

بعد خمس دقائق أكون قد وافقت على كل شيء، ثم ألتفت باستغراب وأسأل: "معقول كيف عرفوا؟".

والحقيقة أنهم لم يعرفوا.

هم كتبوا وصفًا واسعًا يكفي ليدخل منه معظم البشر.

ثم جاء عقلنا وأكمل المهمة.

فنحن كبشر لدينا عادة غريبة. نتذكر الجملة التي أصابت. وننسى العشرين التي أخطأت.

إذا قالت الأبراج صباحًا: "ستواجه اليوم موقفًا غير متوقع".

ثم انسكبت القهوة على قميصي.. أقول فورًا: يا إلهي.. صدقت.

لكن عقلي لا يخبرني كم يومًا قالت الشيء نفسه، ولم يحدث أي شيء غير متوقع إطلاقًا.

ويبدو أن الإنسان يحب هذا النوع من القصص.

ليس لأنه ساذج. بل لأن دماغه يعشق النظام. يريد تفسيرًا سريعًا لكل شيء.

لماذا أنا هكذا؟ لأنني برج الأسد.

لماذا هو عنيد؟ برج الثور.

لماذا هي متقلبة المزاج؟ الجوزاء.

لماذا هو متحفظ؟ الجدي.

انتهت القضية.

ولديّ دليل شخصي آخر يجعل علاقتي بالأبراج أكثر تعقيدًا: صديقتي المقرّبة من برج الجوزاء.

وهذه وحدها، بحسب ما قرأته عن الأبراج، مغامرة خضتها على مسؤوليتي الشخصية.

فالجوزاء، كما تصفه الصفحات المختصة بتشويه سمعته، مُتقلِّب، مُزدوِج الشخصية، ولا يمكنك أن تعرف أي نسخة منه ستقابل اليوم.

أما صديقتي، فلديها مجموعة عيوب فلكية خطيرة.

ثابتة في مواقفها. مخلصة. وواضحة، لا تحتاج إلى خريطة فلكية لتعرف ماذا تقصد.

ويمكن الاعتماد عليها، وهذه تحديدًا إساءة مباشرة إلى عشرات المنجمين الذين يحذرون من برجها.

وما زلت أنتظر ظهور الشخصية الثانية التي وعدتني بها الأبراج.

ولا شيء. نفس الإنسانة في كل مرة. نفس الوفاء، ونفس المواقف، ونفس الحضور عندما أحتاج إليها.

وهذا أمر محرج لبرج بُنيَ نصف محتواه على فكرة أنه يأتي بشخصيتين.

أحيانًا أشعر أنني تعرضت للخداع. وُعدت بصديقتين في صديقة واحدة.. ووصلتني واحدة فقط.

لكنها، للإنصاف، من النوع الذي يجعل العرض رابحًا على أي حال، فهي أكثر من كافية.

والحقيقة أنني أحسد الأبراج على ثقتها بنفسها.

اثنا عشر برجًا فقط، ومع ذلك أخذت على عاتقها مهمة تفسير البشرية كلها.

طفولات مختلفة، وبلدان مختلفة، وتربية وتجارب وعلاقات وانتصارات وعقد نفسية تحتاج أحيانًا إلى ثلاثة معالجين نفسيين وفريق دعم كامل.. لكن لا تقلقوا.

لدينا اثنا عشر برجًا. الموضوع تحت السيطرة.

أنت لا تحتاج إلى أن تخبرني كيف تربيت، ولا ماذا عشت، ولا ما الذي غيّرك خلال السنوات الماضية.

أعطني تاريخ ميلادك، وسأعود إليك بتقرير شامل عن شخصيتك، ونقاط ضعفك، وطريقتك في الحب، والأبراج التي يُفضّل أن تتزوجها، والأبراج التي يجب أن تهرب منها فورًا.

وربما، إذا كان الموقع متخصصًا بما يكفي، سيخبرك لماذا لم يرد عليك ذلك الشخص منذ الثلاثاء.

أما إذا قرأت صفات برجك ولم تشبهك.. فلا تتسرع وتشكك بالنظرية.

هناك الطالع. والقمر. وتراجع الكواكب.

وإذا فشل الجميع، فأنا واثقة أن عطارد مستعد لتحمل المسؤولية. فهو موجود أصلًا للحالات الطارئة.

باختصار، هناك فريق احتياط فلكي كامل جاهز للنزول إلى الملعب كلما بدأت النظرية تخسر.

وفي النهاية، بطريقة ما.. ستكون المشكلة في ساعة ولادتك.

ولن تكون عندهم المشكلة أبدًا في الأبراج.

لكنني لا أستطيع أن أصدق ذلك. لأنني أعرف جيدًا من أين جاءت شخصيتي.

لم تولد معي. بل تشكلت.

في كل موقف اضطررت فيه لاتخاذ قرار، وأنا خائفة.

وفي كل مرة تحملت فيها مسؤولية، لم يكن هناك من يحملها عني.

وفي كل مرة أخطأت، ثم اضطررت لتحمل نتيجة خطئي.

هي مهارات، وتجارب، وأخطاء، ومحاولات، وساعات طويلة من التعلم.

والحقيقة أقل رومانسية بكثير.

لست واثقة بنفسي لأن الشمس كانت في مكان معين يوم ولدت. فالثقة لا تأتي مع شهادة الميلاد.

أنا واثقة لأنني فشلت مرات كثيرة، واضطررت أن أقف بعدها في كل مرة، وأبدأ من جديد.

ولست قيادية لأن برجي يحمل اسم ملك الغابة. والقيادة ليست هدية يضعها الكون داخل طفل، لأنه ولد في آب بدلًا من حزيران.

بل لأن الحياة، بكل لطفها المعروف، وضعتني في مواقف لم تترك لي خيارًا سوى أن أتعلم كيف أقود، وكيف أقرر، وكيف أتحمل نتيجة قراراتي.

ثم إن فكرة أنني خرجت من المستشفى يوم ولادتي بشخصية قيادية جاهزة للاستخدام تسيء قليلًا لكل ما عانيته لاحقًا.

كان من المفترض، بما أنني من برج الأسد، أن أستلم أول فريق عمل في الحضانة.

أنظم الأطفال، وأوزع المهام، وأعقد اجتماعًا عاجلًا لمناقشة أزمة اختفاء القلم الأحمر.

لكنني، بحسب ما أخبرتني عائلتي، كنت مثل بقية الأطفال تمامًا.

أبكي عندما أجوع، وأنام عندما أتعب، ولم أضع خطة استراتيجية واحدة طوال أعوامي الأولى.

وهذا، بصراحة، تقصير كبير من برج معروف بقدراته القيادية.

وحتى عيوبي.. أرفض أن أعلقها في رقبة برج الأسد.

إذا كنت عنيدة أحيانًا، فهذا لأنني فكرت بقراري جيدًا.

وإذا أخطأت، فهذه مسؤوليتي. ولا ذنب فيها لكوكب يبعد ملايين الكيلومترات عن الأرض، ولم يسمع بوجودي أصلًا.

أنا لا أؤمن بالأبراج. لكنني أفهم تمامًا لماذا يؤمن بها كثيرون.

من المريح جدًا أن يخبرك أحد أنك أصبحت هكذا بسبب تاريخ ميلادك، لا بسبب قراراتك.

ومن المريح أكثر أن يقول لك إن شخصيتك مكتوبة في السماء، بدل أن تعترف بأنها كُتبت، ببطء، بيدك أنت، في كل موقف صعب مررت به.

لكنني، بصراحة، أحب الرواية الأصعب.

أحب أن أصدق أن شخصيتي لم تصنعها النجوم.. بل صنعتها الأيام.

وإذا كان هذا الكلام لا يعجب برج الأسد.. فهذا طبيعي لأنه كالعادة بالكاد يعجبه ما يختاره بنفسه، فمعاييره أعلى قليلًا من إمكانيات هذا الكوكب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z