ماجد بن علي الهادي
بين فوهة الملحمة الأوديسية وثغر الانتظار المحموم لبينيلوبي تُستقرأ أفكار مضغوطة مستحوذة على انبجاس الملحمة، انتظار ذلك الزوج (أوديسيوس) الذي مضى على غيابه عشرين عامًا.
وبين عذابات الملحمة وتيه الوحوش الضاربة في متون الإرث الحضاري التليد، يقبع الأمل مشحون بالتضادات اللامنطقية والمنطقية على حد سواء في العقل الطري لتليماخوس. دوامات وزوابع تحيط في مملكة إيثاكا التي أصبحت بدون ملك، الخطاب يطمعون وعلى راسهم النبيل الايثاكي انتينوسالى بالتقرب والتودد الى زوجة أوديسيوس بينيلوبي طمعًا في الزواج منها وانتزاع العرش من ابنهما تليماخوس. بعد مضي زمن طويل على اختفاء أوديسيوس عقب حرب طروادة، ولا يؤمن بعودته سوى بينيلوبي وتليماخوس وأومايوس شبه الكفيف. وكثيرًا ما يسخر الخُطّاب من الأسرة لتمسكها بشريعة زيوس، القاضية بأن في إكرام الضيوف إكرام للآلهة. بين ذلك التيه الفكري، ومعمعة الاضطراب النفسي، تقبع أنفاس ينيلوبي ويتردد أصداء غضبها ويأسها في آن ببوتقة الحزن الكئيب. حزن الفقد وحزن عدم النضج لابنها، الذي تغتاله أصوات السخرية من كل حدب وصوب.
أولئك الذين تمنطقوا بتحقيق مآربهم المكبوتة؛ لذلك يقرر ذلك الابن المغلوب على أمره أن يريح ذهنه المشوش وعقل أمه المشحون بزوابع الاشتياق والاصطدام، الاصطدام مع إحمرار عيون الطامعين والاشتياق لذلك الحبيب، الذي تتلذذ الحكايات بسرد الإشاعات عنه، فتارة هو مسجون وأخرى يحتضنه الموت. يقرر السفر إذن الى إسبرطة للقاء ملكها مينلاوس، أملًا أن يعرف منه المزيد عن مصير ابيه، فينطلق برفقة مستشاره منتور، صديق أوديسيوس. وعند وصوله الى إسبرطة، يروي له مينلاوس وزوجته هيلين حكايات عن ابيه وما كان عليه، لكنهما لا يستطيعان الجزم بمصيره. من هذه الفوهة الخيالية ترتطم روح الابن في صخرة الخوف والغضب، يخنق العبرات بينما الأنفاس تتلاحق في وتيرة لا نهاية لها من خوف المجهول، وسكنى الجرأة لما هو قادم اي كانت صبغته، واي كانت نتيجته.
من جانب آخر، يتذوق أوديسيوس مرارة لا يعيها في المعمعة التي وقع فيها مع الحورية كاليبسو التي كانت تطعمه زهور اللوتس التي تبعث فيه النسيان. واعترافها بأنها احتجزته لديها سبع سنوات واتخذته عشيقًا رغمًا عنه، وأنها لم تشفق عليه إلا بعدما رأت ما يكابده من ألم وحنين إلى أسرته. غضبه من هذه الحقيقة فجر فيه كل نيران التضادات النفسية التي كان يكابدها، كبلت فيه كل الرؤى التي كان يغوص فيها وهو نائم.. وهو فاقد للذاكرة.. وهو مخدر بزهور اللوتس.
ارتجاع مرير واختناق فاضح وعلى أساسه أطلقت الحورية سراحه. هنا تتبين لنا بأن العاطفة لابد لها من جناحين لترفرف باتزان أما غير ذلك فإنها ستعيش في جحيم الجمود واللامبالاة. يقرر أوديسيوس ورجاله للعودة مسترشدين بأثينا؛ فيتوقفوا في إحدى الجزر للتزود بالمؤن، يجد الصقلوب بوليفيموس فرصته للانقضاض عليهم، لكنهم يتمكنون من فقء عينه والفرار. حينها يدركون انه ابن بوسيدون، فيتيهون في عرض البحر عقابًا لهم. يصلون الى جزيرة إيايا؛ حيث يُحطِّم العمالقة اللايستريغونيون سفينتين من أسطولهم، ويفتكون بمعظم رجال اوديسيوس.
يلجأ الناجون الى الساحرة سيرسي، فتحوّلهم بسحرها الى خنازير. وبعد أن يقتل أوديسيوس رجلًا مسخته سيرسي ايلًا، يواجهها ويقنعها بإعادة رجاله الى هيئتهم البشرية. وتحذره سيرسي من ان السبيل الوحيد الى إيثاكا يقتضي عبور أوقيانوس وصولًا الى العالم السفلي.
إنها النجاة المطوقة بالمخاوف والحذر الشديد.. هل هناك من ينتظر او قد مات؟!
دوامة فوهة الملحمة الأوديسية وثغر الانتظار المحموم يكمن في هذه النقطة، وتتمحور على انعكاساته المبرر الحقيقي للعودة. مع إعلان بينيلوبي حين يجتمع الخُطّاب انها ستتزوج من يستطيع توتير قوس أوديسيوس وإطلاق سهم منه عبر صف من رؤوس الفؤوس. تكون النهاية الجريئة قد كشفت عن وجهها. هل هو اليقين أم هي الثقة؟ بالتأكيد أن كلاهما كانا يختمران في عقل بينيلوبي. وتبيَّن وضوح ذلك عندما عجز الخُطّاب جميعًا توتير القوس، أما أوديسيوس فنجح وأطلق السهم بمهارة، كاشفًا بذلك عن هويته.
السعادة لا تكمن في نتيجة الثقة ويقين التوقع، إنما في الشخصنة الرصينة التي لا يعرف كنهها إلا في مثل هذه الظروف.
الدثارة النفسية ستعلن عن نفسها بغض النظر عن نهايتها. الملحمة الأوديسية ستبقى معتبرة بدروس حياتية أهمها الشجاعة والوفاء والإخلاص، وليس آخرها التفاؤل والأمل اللذان سيبقيان الحلبة التي يتسابق فيها العقل مع الروح.
هناك من الآثار الملحمية التاريخية التراثية التي ستدون بأحرف من ذهب على صدور التوهج العقلي المعرفي. وعلينا أن نرتشف من ينابيع هذا التوهج ونروي به كل أفكارنا وأهدافنا في هذه الحياة.
ما سُطِّر من قديم الزمان لم يكن عبثًا، وما جاهدت العقول عبر أزمانها وأجيالها لم يكن بداعي التسلية وتقضية الوقت، وإنما لتحقيق أهداف الرؤية البعيدة النظر التي ستنعم بها الأبصار والبصائر ما دامت هذه الشمس في شروق عبر كل الأزمان.
