كلنا نسمع ونعرف الفنون المتنوعة الموجودة حولنا، ومعنى الفن، وهو كل ما يخرج من مشاعر وأحاسيس وإبداعات يعبر عنها الشخص بأساليبه المختلفة، كالرسم، والموسيقى، والشعر، والعمارة، والطبخ، أو أي شيء يتعلق بالإبداع. وكل هذه الفنون، في رأيي الشخصي، هي عبارة عن إنتاجات جمالية تعبيرية قد تعتبر ترفيهية، وأحياناً لا يمارسها أو يفهمها إلا نوع معين من الناس، ووجودها في حياة البعض قد لا يعد من العوامل المهمة. ولكن، هناك نوع آخر من الفنون الذي يجهله ويفتقده الكثير من الناس، وهو لا يرتبط بالتحصيل العلمي والشهادات أو المنزلة الاجتماعية، ولكنه في الحقيقة، حسب اعتقادي، يعتمد على طبيعة الإنسان الشخصية، ومدى استيعابه للأمور، وبذل مجهود ولو بسيط لبناء علاقات صحية.
وأنا هنا لا أقصد في ذلك الأسلوب العام أو المجاملات السطحية التي نتبادلها مع الغرباء، بل أعني التعاملات الشخصية القريبة والعميقة، تلك التي تعتمد بالدرجة الأولى على فهم الآخر، واستيعاب طبيعته النفسية، من حيث فهم أحاسيسه وأفكاره وطبيعته الشخصية، ومحاولة أن يضع الإنسان نفسه مكان المقابل ليرى الأمور من زاويته وظروفه، وأن يصرف جهداً ولو بسيطاً في استيعابه دون انتقادات وتوبيخات إرادية أو لا إرادية.
وللأسف، يجهل الكثيرون هذا النوع من الفن الخفي الذي يسمى بفن «الذكاء العاطفي»، حيث نراهم يتسرعون في بناء الاستنتاجات الجاهزة وإصدار الأحكام المسبقة على تصرفات من يحبون حولهم، بناءً على مفاهيمهم الشخصية التي يعتقدون بها، لا على حقيقة الطرف الآخر. إن غياب هذا الاستيعاب يحوّل أغلب العلاقات الإنسانية إلى ساحة من سوء الفهم والصراعات اليومية، التي ينتج عنها البعد والفراق، والكثير من الصراعات العاطفية والنفسية التي بدورها تترك خسائر واسعة، وهم للأسف غير مدركين ذلك.
حسب اعتقادي، كإنسانة تعيش في جزء من هذا المجتمع، سواء عربي أو أوروبي، أرى أن هناك فئة من الناس قد تتعامل بلطف ومحبة، لكنهم مع ذلك يفشلون في فهم الطرف الآخر؛ والسبب في ذلك يعود إلى جهلهم بطبيعة النفس البشرية واختلافاتها الإنسانية، فالرجل في طبيعته وتفكيره يختلف تماماً عن المرأة، والشاب يمر بمرحلة تختلف كلياً عن الطفل؛ ومن هنا فإن إنجاح العلاقات لا يحتاج إلى الأنانية والتمسك بالرأي، بل يحتاج إلى اهتمام حقيقي ووعي بهذه الفروق الطبيعية ومحاولة معرفتها وتعلمها، وخصوصاً في هذه الأوقات التي أصبحت فيها الحياة أكثر تعقيداً، ولكن في الوقت نفسه أصبحت القراءة والتعلم أكثر سهولة بسبب التقنيات الحديثة.
إن تسليط الضوء على تعلم فنون الذكاء العاطفي، والذي يرتبط بوضوح بعلوم الاجتماع والنفس، هو من الضروريات الاجتماعية التي نحتاجها دائماً في حياتنا اليومية، وهي بالطبع أسس موجودة في تعاليم الأديان السماوية والفلسفة الإسلامية.
فالذكاء العاطفي والاهتمام بالآخر هو المحرك الأساسي لسلامة العلاقات. فهناك مَن يزرع الأشجار في علاقاته ليقطف ثمار الحب والاستقرار، وهناك مَن يزرع الشوك، فيؤذي مَن حوله بأفعاله وردود أفعاله الغافلة، دون أن يدرك حجم الخسائر النفسية التي يتركها خلفه. فلننتبه إلى هذا النوع من الفنون بذكاء وفطنة، ونحافظ على مَن نحب من حولنا.
لينا الموسوي
