المشاريع التجارية بين طموحات التنمية وتزايد الرسوم

 

 

خالد بن محمد بن حارب الجابري

منذ تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم، تشهد سلطنة عُمان مرحلةً اقتصاديةً جديدةً تقوم على الإصلاح، وتعزيز الاستدامة المالية، وتنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وقد أثمرت هذه الجهود عن نتائج إيجابية، من أبرزها خفض الدين العام، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، إلى جانب ما نراه من حراك دبلوماسي واقتصادي تقوده القيادة الحكيمة من خلال الزيارات الرسمية التي تُتوَّج باتفاقيات وشراكات استراتيجية مع العديد من دول العالم، بما يعكس رؤيةً واضحةً لبناء اقتصاد أكثر قوةً واستدامةً.

هذه الجهود الوطنية الكبيرة تستحق كل التقدير؛ لأنها ترسم مستقبلًا اقتصاديًا واعدًا، إلا أن نجاحها الحقيقي يُقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطن اليومية، وعلى بيئة الاستثمار، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على النمو والاستمرار. فالمواطن هو الهدف الأول لكل برامج التنمية، والقطاع الخاص هو الشريك الرئيس في تحقيقها.

غير أن الواقع الذي يعيشه كثير من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يبعث على القلق. ففي الوقت الذي يعاني فيه السوق من حالة ركود، وتراجع في القوة الشرائية، وارتفاع في تكاليف التشغيل، تتزايد الرسوم والضرائب والالتزامات المالية بصورة متلاحقة، حتى أصبح المستثمر يواجه تحديات قد تفوق قدرته على الاستمرار.

ومن أكثر القطاعات تأثرًا بذلك شركات المقاولات، وشركات الأمن الغذائي، وغيرها من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي أصبحت تتحمل أعباءً إضافيةً في ظل انخفاض حجم المشاريع وارتفاع تكاليف التشغيل، الأمر الذي أدى إلى تعثر عدد من المؤسسات، وإغلاق بعضها، وعزوف مستثمرين عن الدخول في مشاريع جديدة، فضلًا عن تقليص أنشطة مؤسسات قائمة، وتسريح عدد من الكفاءات الوطنية.

ومن بين القرارات التي أثارت نقاشًا واسعًا بين أصحاب الأعمال رفع رسوم تجديد بطاقات القوى العاملة الوافدة على المؤسسات التي لم تحقق نسب التعمين المقررة. ولا خلاف على أن التعمين هدف وطني يجب أن يحظى بالدعم الكامل، لكن يبقى التساؤل مشروعًا: إلى أي مدى أسهمت هذه الرسوم في توفير وظائف جديدة للعُمانيين؟ وهل ارتبطت حصيلتها مباشرةً ببرامج التوظيف والتأهيل، أم أنها أضافت عبئًا ماليًا جديدًا على مؤسسات تعاني أصلًا من تحديات السوق؟

كما جاء فرض الرسم الجديد لصندوق الحماية الاجتماعية على كل عامل وموظف؛ ليضيف تكلفةً أخرى على أصحاب الأعمال. ولا أحد يختلف على أهمية استدامة الصندوق وضمان حقوق العاملين، لكن كثيرًا من المستثمرين يتطلعون إلى أن تعتمد الصناديق الوطنية بصورة أكبر على تنمية استثماراتها وتعظيم عوائدها، باعتبارها الوسيلة الأكثر استدامةً لزيادة الإيرادات، بدلًا من الاعتماد المتكرر على فرض رسوم إضافية على الشركات والأفراد.

إن المستثمر اليوم لا يبحث عن الإعفاءات بقدر ما يبحث عن الاستقرار. فهو يريد بيئةً اقتصاديةً واضحةً، ورسومًا مستقرةً، وتشريعات تمنحه الثقة للتوسع، لا أن تجعله يعيد حساباته مع كل قرار جديد. فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد سجل تجاري، بل هي مصدر رزق لعائلات، وفرصة عمل لشباب، ومحرك رئيس للاقتصاد الوطني.

والمواطن العُماني، الذي أثبت عبر العقود إخلاصه لوطنه وقدرته على العمل والعطاء، لا يطلب أكثر من أن يرى ثمار التنمية تنعكس على مستوى معيشته، وأن يشعر بأن دخله يتحسن، وأن بيئة الأعمال في وطنه أصبحت أكثر جذبًا واستقرارًا، وأن يقف مرفوع الرأس بين أشقائه في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو يرى أن التنمية الاقتصادية لم تقتصر على المؤشرات والأرقام، بل وصلت إلى حياة الناس ومشروعاتهم.

إن تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" يتطلب شراكةً حقيقيةً بين الحكومة والقطاع الخاص، تقوم على التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وتحفيز الاستثمار. فكل مؤسسة تستمر في العمل تمثل قيمةً مضافةً للاقتصاد، وكل مشروع جديد يفتح أبوابه هو فرصة جديدة للتوظيف والإنتاج، وكل مستثمر يشعر بالثقة هو شريك في بناء مستقبل هذا الوطن.

إن الاقتصاد لا يزدهر بكثرة الرسوم، وإنما بكثرة المشاريع الناجحة. ولا تُقاس التنمية بما يدخل خزينة الدولة فقط، بل بما يتحقق من نمو في أعمال المواطنين، وما يشعرون به من استقرار اقتصادي، وما يجدونه من دعم يمكنهم من الإنتاج والتوسع. وعندما تكون مصلحة المواطن والمستثمر في صدارة الأولويات، فإن الوطن بأكمله سيكون هو الرابح الأكبر، وستتحقق الأهداف التي قامت عليها رؤية "عُمان 2040" بالصورة التي يتطلع إليها الجميع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z