حين تفقد الأمة ميزانها

 

 

 

 

عمر بن قاسم السالمي

قد تتحرر أمة من مُحتل، ثم تقضي عقودًا تحاول أن تصبح مثله، يرحل الجندي، وينزل العلم، وتستعيد الدولة أرضها وسيادتها، لكنها قد لا تستعيد بالسرعة نفسها شيئًا أعمق: حقها في أن تُقرر بنفسها معنى أن تكون ناجحة.

تكافح الأمم لتلحق بمن سبقها في العلم والاقتصاد والتقنية، وهذا طبيعي؛ فالتعلم من الأمم المتقدمة ضرورة. لكن المشكلة تبدأ حين تنشغل الأمة بسؤال: كيف نصل إلى حيث وصلوا؟ قبل أن تسأل: إلى أين نُريد نحن أن نصل؟

الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة استقلال الوعي. قد تستعيد الدولة قرارها، بينما تبقى تصوراتها عن التقدم والنجاح امتدادًا لتصورات غيرها؛ لا لأنها فُرضت عليها، بل لأنها ترسخت حتى أصبحت تبدو بديهية.

وهنا تكتسب فكرة مالك بن نبي عن «القابلية للاستعمار» معناها الأعمق؛ فالهزيمة لا تكتمل حين يفرض الغالب سلطته عليك، بل حين تستقر صورته للعالم في داخلك إلى الحد الذي لا تعود ترى أنها صورته أصلًا.

وقد لخّص ابن خلدون جانبًا من ذلك بقوله: «المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب». لكن الاقتداء الأخطر ليس في اللباس أو اللغة، بل في أن ينتقل الميزان نفسه؛ فنستورد مع منتجات الحضارة أحكامها أيضًا: ما الجميل وما القبيح، ما المتقدم وما المتخلف، وما الذي يستحق أن يسمى نجاحًا.

والهيمنة تبلغ أعمق صورها حين لا يعود المعيار يبدو مستوردًا، بل بديهيًا. وفي عالم اليوم لم تعد القوة عسكرية فقط؛ فالجامعات والإعلام والسينما ومراكز المعرفة والمؤشرات والتصنيفات تشارك في تشكيل تصورنا لما يستحق أن نسعى إليه.

القوة ليست فقط أن تجعل الآخرين يفعلون ما تريد؛ القوة الأعمق أن تجعلهم يريدون ما تريد. ولهذا تتسابق الدول إلى مؤشرات الابتكار والتنافسية والسعادة وتصنيفات الجامعات والمدن. وليس في القياس مشكلة، لكن خلف كل رقم سؤالاً أهم: من قرر ما الذي يستحق أن يُقاس؟

نستطيع قياس دخل مدينة وكفاءة مواصلاتها، أو جامعة بعدد أبحاثها واستشهاداتها. لكن كيف نقيس علاقة الإنسان بأرضه؟ وتمسكه بثقافته؟ ووعي بقيمة ما لديه؟

فليس كل ما يمكن قياسه يستحق أن يصبح غاية، وليس كل ما يصعب قياسه قليل القيمة.

وتظهر المسألة في تفاصيل صغيرة: طفل يتخذ أبطال الكرتون والأفلام قدوة، لا لأنه رفض أبطال تاريخه، بل لأننا لم نضعهم أمامه أحياء في خياله. تركنا غيرنا يصنع له البطل، ثم استغربنا حين اختار ما عُرض عليه.

وباحث لا يطمئن إلى قيمة فكرته حتى تعترف بها مؤسسة أجنبية، ومجتمع يمر بجانب تراثه دون أن يراه، ثم يكتشف قيمته حين يأتي الغريب ليشير إليه. وربما ليست المشكلة أننا أُعجبنا بما صنعه الآخر، بل أننا تركنا مساحة فارغة، فملأها هو بصورته وأبطاله ومعاييره.

ولم تكن الحضارات يومًا منعزلة؛ أخذ المسلمون من علوم اليونان والفرس والهنود، وأخذت أوروبا لاحقًا من علوم المسلمين وغيرهم. لكن هناك فرقًا بين أمة تأخذ معرفة الآخر، وأمة تأخذ نظرته إلى نفسها؛ بين أن تتعلم منه كيف يصنع، وأن تتعلم منه ماذا ينبغي أن تتمنى.

وهنا يكمن أحد أكثر أشكال الهيمنة خفاءً: أن تنجح حضارة في جعل تجربتها الخاصة تبدو وكأنها الصورة الطبيعية التي ينبغي أن تنتهي إليها جميع الحضارات الأخرى. عندها لا يعود المهيمن منافسًا فقط؛ بل يصبح القاضي أيضًا. يضع المعيار، ثم نقيس أنفسنا به. يصنع صورة النجاح، ثم نركض إليها، وننتظر منه في النهاية أن يخبرنا أننا وصلنا.

وربما لهذا تستطيع أمة أن تصبح أغنى وأكثر تعليمًا وتطورًا، ومع ذلك تشعر دائمًا بأنها متأخرة لأنها لا تسابق نفسها، بل تسابق صورة يصنعها غيرها.

فربما تبدأ النهضة الحقيقية حين لا نكتفي بتغيير موقعنا في العالم، بل نعيد النظر في الميزان الذي نرى به العالم ونرى به أنفسنا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z