نبيل بن حيدر البلوشي
Nabeel.h.albalushi@gmail.com
قبل سنوات، كان المدير الجيد هو من يضع خطة محكمة، ثم يلتزم بتنفيذها حتى نهاية العام. أما اليوم، فقد أصبحت أفضل الخطط بحاجة إلى مراجعة مستمرة، ليس لأنها أُعدت بطريقة خاطئة، بل لأن البيانات التي بُنيت عليها تتغير بسرعة، ولم تعد تسمح بالاعتماد على الافتراضات القديمة. تخيل سفينة غادرت الميناء قبل ساعة واحدة فقط، بالنسبة لمعظم الناس هي مجرد ساعة، لكن بالنسبة لشركة كانت تنتظر تلك الشحنة للوفاء بعقد، أو تشغيل مصنع، أو تسليم مشروع، فقد تكون تلك الساعة هي الفارق بين تنفيذ الخطة كما رُسمت، أو إعادة ترتيبها بالكامل.
هذا المثال يلخص، في رأيي، طبيعة عالم الأعمال اليوم. فالمشكلة لم تعد أن الأسواق تتغير، بل أن تأثير هذا التغيير أصبح ينتقل بسرعة أكبر من أي وقت مضى. ولذلك، كلما تأملت القرارات التي نجحت، وتلك التي لم تحقق نتائجها، وجدت أن الفارق لم يكن دائمًا في جودة القرار نفسه، وإنما في توقيت اتخاذه. هناك اعتقاد شائع بأن الشركات التي تمتلك معلومات أكثر تتخذ قرارات أفضل، لكن ما أراه مختلفًا قليلًا، ليست كثرة المعلومات هي التي تصنع الفارق، وإنما الوصول إلى المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب. لأن المعلومة، مهما كانت دقيقة، تفقد جزءًا من قيمتها إذا وصلت بعد أن تتغير الظروف.
خذ قطاع اللوجستيات مثالًا، قد تعتمد شركة على مسار شحن أثبت كفاءته لسنوات، ثم يحدث تغير مفاجئ في حركة أحد الموانئ، أو في جداول الخطوط الملاحية، أو في ظروف التشغيل، فتتغير الحسابات خلال ساعات. الشركة التي تدرك هذا التغير مبكرًا تستطيع تعديل مسارها وتقليل أثره، بينما قد تستمر شركة أخرى في تنفيذ الخطة نفسها لأنها لم تدرك أن المعطيات تغيرت. المشهد نفسه يتكرر خارج قطاع اللوجستيات أيضًا. شركة تؤجل شراء مواد أولية انتظارًا لانخفاض الأسعار، فتفاجأ بارتفاعها. وأخرى تستغرق وقتًا طويلًا في دراسة إطلاق خدمة جديدة، بينما يكون المنافس قد بدأ بالفعل في الاستفادة من الفرصة. في الحالتين، لم يكن القرار الأول خاطئًا، ولم يكن الثاني أكثر ذكاءً، الفرق أن أحدهما بُني على معلومة وصلت في وقتها، بينما جاء الآخر بعد أن تغيرت الظروف.
ومن الملاحظات التي كثيرًا ما تتكرر في بيئة الأعمال أن تأجيل القرار لا يكون دائمًا بسبب نقص المعلومات، بل بسبب الرغبة في الوصول إلى درجة كاملة من اليقين. تستمر الاجتماعات، وتطلب دراسات إضافية، وتعاد مراجعة الأرقام، على أمل أن تصبح الصورة أوضح. لكن الأسواق لا تنتظر حتى تكتمل الصورة، بل تستمر في الحركة بينما لا تزال بعض المؤسسات تناقش ما إذا كان الوقت مناسبًا للتحرك. ولا يعني ذلك أن الجرأة هي اتخاذ القرار بسرعة مهما كانت المعطيات، كما لا يعني أن الحذر هو تأجيل القرار إلى أجل غير معلوم. القرار الجيد هو الذي يجمع بين وضوح الرؤية وسرعة الاستجابة، ويستند إلى معلومات موثوقة، مع إدراك أن اليقين الكامل أصبح هدفًا يصعب الوصول إليه في عالم سريع التغير.
والمفارقة أننا نعيش اليوم في زمن لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات، بل كثرتها. الأخبار تتدفق بلا توقف، والتقارير تتضاعف، والبيانات أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى. لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة جودة القرار، بل قد تجعل التمييز بين الإشارة الحقيقية والضوضاء أكثر صعوبة. ولهذا، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات على نفسها: كم نملك من البيانات؟ بل: هل نعرف أي البيانات تستحق أن نبني عليها قرارًا؟
شخصيًا، لا أعتقد أن المؤسسات ستتنافس مستقبلًا على من يجمع معلومات أكثر، وإنما على من يستطيع تحويل المعلومة إلى قرار في الوقت الذي لا تزال فيه الفرصة قائمة. فالقرار التجاري لا تحميه كثرة التقارير، ولا عدد الاجتماعات، ولا حتى جودة التحليل وحدها. ما يحميه هو أن تصل المعلومة الصحيحة قبل أن تتحول إلى خبر يعرفه الجميع، وأن تمتلك المؤسسة الشجاعة الكافية للتحرك عندما تكون الصورة واضحة بالقدر الذي يسمح بالقرار، لا بالقدر الذي يحقق اليقين الكامل. لأن الفرص، مثل السفن، لم تُصنع لتقف في الموانئ، بل صُنعت لتعبر البحار وتواجه الأمواج.
