من تشوّه المفاهيم إلى استعادة القيم

لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

 

 

 

 

زكريا الحسني

من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في واقعنا المعاصر ظاهرة الفجوة بين ما نقوله وما نمارسه فنحن نتحدث كثيرًا عن الخير، والإحسان، والرحمة، والتسامح، والأمانة، والعدل، وحسن التعامل، ونقرأ في القرآن الكريم والسنة النبوية ونستشهد بأقوال الحكماء والعظماء ونكتب المقالات والكتب وننشر المقاطع التي تتحدث عن الأخلاق والقيم والمعاني الراقية ومع ذلك عندما ننتقل من عالم الكلام إلى أرض الواقع نجد أحيانًا صورة مختلفة تمامًا.

بل إن المشكلة أصبحت أعمق من مجرد ضعف في التطبيق فقد وصل الأمر في بعض البيئات إلى تشوّه المفاهيم نفسها فأصبح الإحسان عند البعض سذاجة، والطيبة غباءً، والتسامح ضعفًا، والرحمة استغلالًا، والصدق عدم قدرة على التعامل مع الواقع، والحزم قسوة، والقوة ظلمًا للآخرين وهنا لا نتحدث فقط عن ضعف أخلاقي وإنما عن أزمة فكرية وقيمية وتربوية لأن الإنسان عندما يغيّر تعريف الخير في ذهنه؛ فمن الطبيعي أن يتغير سلوكه تبعًا لذلك.

وأخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس أن يقل عدد الأشخاص الذين يمارسون الفضيلة فحسب بل أن يصبح الناس غير قادرين على التمييز بين الفضيلة والرذيلة فينظرون إلى الفضيلة بعين الريبة وإلى بعض السلوكيات الخاطئة باعتبارها ذكاءً أو قوة أو مهارة في الحياة.

والسؤال هنا: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

أحد الأسباب الجذرية هو أن الإنسان قد يمر بتجارب سيئة فيحوّل تجربته الخاصة إلى قاعدة عامة فقد يُحسن إلى شخص فيُقابل إحسانه بالجحود فيستنتج أن الإحسان ضعف وقد يثق بأحد فيتعرض للخيانة فيقرر أن الثقة غباء، وقد يسامح شخصًا فيستغل ذلك، فيعتقد أن التسامح خطأ، بينما الحقيقة أن الخطأ ليس في القيمة وإنما في سوء تطبيقها أو غياب الحكمة في ممارستها؛ فالطيبة لا تعني السذاجة والإحسان لا يعني السماح للآخرين باستغلال الإنسان والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق والرحمة لا تعني غياب الحزم يمكن للإنسان أن يكون رحيمًا وحازمًا، طيبًا وواعيًا، متسامحًا وقادرًا على وضع الحدود محسنًا دون أن يكون مستغلًا.

وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة بناء المفاهيم قبل محاولة إصلاح السلوك؛ فالإنسان لا يستطيع أن يمارس قيمة بصورة صحيحة إذا كان يحمل عنها تصورًا خاطئًا.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال: ما معنى العدل؟ ما معنى القوة؟ ما معنى الرحمة؟ ما معنى التسامح؟ ما معنى الإحسان؟ وما الفرق بين الطيبة والسذاجة وبين الحزم والقسوة وبين الثقة العمياء والثقة الواعية؟

ثم تأتي الخطوة الثانية وهي الانتقال من ثقافة المعرفة إلى ثقافة الممارسة لا يكفي أن نعرف أن الصدق فضيلة وإنما ينبغي أن نمارسه عندما يكون الكذب أكثر راحة لنا ولا يكفي أن نتحدث عن العفو وإنما ينبغي أن نمارسه عندما نملك القدرة على الانتقام ولا يكفي أن نمدح الأمانة وإنما ينبغي أن نكون أمناء عندما لا يراقبنا أحد؛ فالفضيلة الحقيقية تظهر عندما تكون لها تكلفة.

أما أن نتحدث عن الأخلاق في المجالس ونكتب عنها في الكتب وننشرها في وسائل التواصل الاجتماعي ثم نمارس عكسها عندما تتعارض مع مصالحنا فهذه مشكلة تحتاج إلى مراجعة عميقة وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة الفجوة بين القول والعمل فقال تعالى: "كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ" (الصف: 3).

ومن الحلول الجذرية كذلك إعادة بناء التربية الأخلاقية فالطفل لا يتعلم القيم من الكلمات فقط؛ بل يتعلمها من المشاهدة والتجربة والقدوة فإذا سمع عن الصدق ثم رأى الكبار يمارسون الكذب فلن يتعلم الصدق من المواعظ وإذا سمع عن الرحمة ثم شاهد القسوة في حياته اليومية فسوف يتعلم أن القيم مجرد شعارات.

ولهذا فإن إصلاح الأخلاق يبدأ من الأسرة ثم المدرسة، ثم المسجد، ثم الإعلام، ثم المؤسسات، ثم المجتمع بأكمله.

ونحتاج كذلك إلى إعادة الاعتبار للقدوة؛ فالمجتمع الذي يكرّم الإنسان الناجح فقط بسبب المال أو الشهرة أو النفوذ قد يرسل رسالة غير مباشرة بأن هذه هي المعايير الوحيدة للنجاح أما المجتمع الذي يقدّر الأمين، والعادل، والمحسن، والمخلص، وصاحب المبدأ، فإنه يبني منظومة مختلفة من القيم. والأهم من ذلك كله أن ننتقل من سؤال: ماذا نقول عن الفضيلة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا نفعل عندما تختبرنا الفضيلة؟

القيم لا تُختبر في الأوقات السهلة، وإنما تظهر عند الغضب، وعند الاختلاف، وعند المصالح، وعند القدرة على الانتقام، وعندما يكون الإنسان قادرًا على أخذ ما ليس له.

إن العلاج الحقيقي لتشوّه المفاهيم ليس بإلغاء الطيبة، ولا بالتخلي عن الإحسان، ولا بتحويل الإنسان إلى شخص قاس بحجة الواقعية، وإنما في بناء إنسان مُحسن وواعٍ رحيم وحازم، متسامح وقوي، طيب لكنه ليس ساذجًا، ومتمسك بالقيم دون أن يسمح للآخرين باستغلالها.

وهكذا نستطيع أن ننتقل من ثقافة الحديث عن الفضيلة إلى ثقافة ممارسة الفضيلة، ومن الإعجاب بالقيم إلى الالتزام بها، ومن حفظ الأقوال إلى تحويلها إلى أفعال؛ فالفضيلة التي تبقى في الكتب لا تغيّر مجتمعًا والفضيلة التي تتحول إلى سلوك يومي هي التي تصنع الإنسان، ثم الأسرة، ثم المؤسسة، ثم المجتمع.

إن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائمًا بتغيير القوانين، بل يبدأ بتصحيح المفاهيم، وبناء الضمير، وإعادة تعريف القيم، ثم تحويلها من كلمات جميلة نتغنى بها إلى سلوك نعيش به.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z