دعوة جدتي بعد أربعة وستين عامًا حرمتنا من أبي!

 

 

د. عبدالله بن خلفان البلوشي

عندما كان أبي في وسطنا، كنا ندعو له بطول العمر، والصحة، والعافية، والسعادة في حياته.

وبعد أن أكرمه الله بالمرض، استمر دعاؤنا له بالشفاء، والصحة، والعافية لأكثر من عام ونصف، وكنا نناجي ربنا بالشفاء العاجل له.

ولكن قدر الله مكتوب، ورحل أبي إلى ربه فرحًا مستبشرًا مسرورًا، وكان في قلوبنا سؤال فيه مناجاة للرب: لماذا، يا ربنا، لم تقبل دعوتنا بشفاء أبينا؟!

ولكن جاء الجواب برسالة إلهام تطمئن قلوبنا بأن ربنا استجاب لدعاء والدته بعد أربعة وستين عامًا؛ حيث بعد ولادة أبي بسبعة أيام فقط توفيت جدتي، ونحتسبها عند الله شهيدة، ولم ترَ ابنها الرضيع.

وكأي أم لا تستطيع أن تتحمل فراق ولدها، فكأن الرسالة تقول لنا إنها، على مدى تلك الأعوام، وهي تدعو ربها بأن ترى وتحضن ولدها الذي فارقته طفلًا رضيعًا.

وفارقه أبوه وعمره عامان فقط، بعد غرقه في البحر عند عودتهم من الكويت، والسعودية، والبحرين، في عام 1964، على متن "تك جعفروه"، إحدى السفن التي كانت مخصصة لنقل الركاب والبضائع، وكان على متنها أكثر من مائتي شخص؛ ونسأل الله أن يكون جدي ومن معه شهداء بإذنه تعالى.

وكيف لأب وأم تركا طفلهما اليتيم في دنيا الشقاء، وهما في نعيم البقاء، إلا أن يستمرا في الدعاء لرب الأرض والسماء أن يجمعهما بولدهما؟ وجاء قبول الدعاء بعد كل هذه الأعوام.

هنا جاء الصبر منا، والإيمان، والقبول بإرادة الله وحكمته، وكان فرحنا بلقاء أبي مع جدي وجدتي في دار البرزخ هو الصبر الجميل على فراق الدنيا.

بعد ولادة أبي ووفاة أمه، كفله خاله، وأرضعته زوجته، وعاش يتيمًا، وكأني أقرأ قصة سيد الخلق، رسولنا الكريم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والأمثال تضرب ولا تقاس.

ودائمًا كنت أقرأ على أبي في مرضه سورتي الضحى والانشراح، كأنما نزلتا لتواسياه في مرضه وتخففا عنه، وهما نزلتا لتطمئنا قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتجبرا خاطره.

رسالتي لكل ابن، مهما كان عمره؛ أبوك، وأمك، وجدك، وجدتك، وخالك، وخالتك، وأخوك، وأختك، هم صلة رحمك في حياتهم ومماتهم.

أبوك وأمك رضاهما هو مفتاحك للجنة، فَصِلْ صديق أبيك، واسلك طريقه، وانتهج نهجه.

لا تغرك دنياك أو منصبك، ولا تتكبر على خدمة أبيك وأمك في صحتهما ومرضهما؛ فحياتك مرهونة برضاهما القلبي عنك، ودعاؤهما لك هو توفيقك في دنياك وآخرتك.

لن تعرف قدرهما في حياتهما مهما كنت قريبًا منهما، ولكن عند رحيل أحدهما أو كليهما سيُكشف الغطاء عن وجهك، لترى كيف كنت تعيش في نعيم رحاب جنتهما.

ربِّ، تقبل أبي، وجدي، وجدتي في زمرة الأنبياء، والأولياء، والشهداء، والصالحين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z