بيوت الرمل

 

 

نعيمة السعدية

كم بنينا من بيوتٍ رملية على رمال الشاطئ، ونحن نمرح وتغمرنا الفرحة بهذا البناء رغم هشاشته، ورغم يقيننا بأنه لن يدوم، فلم نكن نشغل فكرنا بذلك، بل كانت قلوبنا هي الحكم في هذه اللحظات السعيدة التي نختزل فيها أجمل مشاعر الفرح بالإنجاز رغم ضآلته، وكنا نرى فيه براعتنا وقيمة الجهد الذي بذلناه في الارتقاء به إلى مستوى يرضي شعورنا الذي كان يتملكنا في ذاك الوقت، وفجأة يتحول هذا البناء المهتز إلى قصرٍ فاره في مخيلتنا، مليء بكل جماليات الحياة.

وكانت تلك الأحلام تتشكل، ونحن نجمع حبات الرمل الرطبة فوق بعضها لتكون لنا خيالًا صاغته أيدينا وعقولنا، وما هي إلا لحظات قليلة حتى تجري قطرات المياه نحوها، وتهدم تلك المتعة في لحظة، وما زالت أيدينا مليئة بالرمل المبلل. وكم من موجةٍ جرفت هذه البيوت في لحظة، ولم نأبه بذلك، فعاودنا البناء مراتٍ ومرات، وفي كل مرة تنهدم البيوت، لم نكن نضجر ولا نمل من البناء، كالأمواج التي تتعاقب بين مدٍّ وجزر، تلك الأمواج التي تعلمنا منها الإصرار دون أن نشعر بذلك؛ فنحن نراها كل يوم بصورة أجمل من سابقتها، دون أن نبحث عن سر استمرارها في التجدد، لكنها نقلت إلينا شعور التحدي والإصرار، ونحن نراها في عطاءٍ متدفق بعودتها إلى الشاطئ بعد انجرافها إلى أبعد نقطةٍ في البحر.

فكانت تعلمنا أن الإرادة الحقة لا تنكسر، وأن العزم الحقيقي لا ينقطع.

وكبرنا ونحن ندرك أن كل شيء يتجدد رغم انهياره، وكان ذلك يظهر علينا في إيماننا باستمرار الحياة رغم لحظات الوهن التي قد يمر بها الإنسان، والانكسارات التي قد تتصدى له في مسيرته؛ فهي ليست إلا مراحل عابرة يخوضها ليصل إلى محطاتٍ أكثر إشراقًا، ويكون جديرًا بالاستقرار فيها.

فما كانت تلك الأوقات يومًا نهاية الطريق، بل بداية لطريقٍ آخر، تفتحت فيه طموحات جديدة، وأهداف كثيرة، وآفاق بعيدة ترتسم بأقلام الأمل والتفاؤل.

وكم كانت لنا أحلام تطاول عنان السماء في سموها، وتنافس النجوم في كثرتها، فالأحلام هي الزاد الذي يتقوى به الإنسان منذ بدء نشأته إلى مماته، وفي كل مرحلة من مراحل حياته هناك أحلام مخبأة بين جفون العيون، يود أن يغمض عينيه، ويراها متحققة رغم كل العثرات، وتزداد هذه الأحلام يومًا بعد يوم لتكون لنا حياةً حالمةً نطمح إلى تحقيقها ولو بعد حين. كنا وما زلنا متمسكين بها، لا ندري سر هذا التعلق، لكنها تتجدد كل حين، وتتوالد في أرواحنا كل لحظة، مع أنها تنهدم أحيانًا مثل تلك البيوت التي كنا نبنيها على الشط.

ونظل نحلم ونحلم إلى ما لا نهاية، ونمضي خلف أحلامنا مهما ابتعد الأفق، مع أن بعض الأحلام سراب واهٍ تضيع معه آمال ترسخت في القلوب، وأمنيات ارتسمت في الأذهان.

وقد نكون مررنا بلحظات يأسٍ دفين أنهك قلوبنا، وجثم على صدورنا، لكننا مع الوقت نسترجع بقايا الأمل مع أحلامٍ متواصلة، وآمالٍ متجددة.

ونظل نبني بيوت الرمل كل مرة كأنها لن تنهار أبدًا، ونشيد معها حلمًا جديدًا بأيدٍ من أملٍ تصوغ من كل انهيار بداية جديدة؛ فنحن نستسقي قوة الإرادة من عزمٍ راسخ، وتوكلٍ صادق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z