نظيرة الحارثية تترجّل عن قمم الجبال تاركةً خلفها "أثرا خالدا" وعلم عُمان يرفرف في السماء

 

 

 

حين تعيش بعض القيم والمشاعر تحت ضغط وظروف استثنائية ستكتشف أن هذا هو الدرس الحقيقي

الرؤية- مدرين المكتومية

لم يكن التحدي الأصعب الذي واجهته نظيرة الحارثية هو تلك الرياح العاتية على ارتفاع آلاف الأمتار، ولا ذلك الجليد الذي تغوص فيه قدماها ليختبر صلابة خطواتها، ولا تلك الليالي المخيفة المظلمة المليئة بالكثير من الأمل والقليل من التردد بين الصخور الثلجية العملاقة بحثاً عن إنجاز جديد يُحسب لها، بل الأصعب هو يوم تداولت المواقع الإخبارية والصحف والمنصات الرقمية توقف تلك الرحلة بصورة مُفاجئة، وسط غموض وبحث مُستمر لتكذيب الخبر الذي ملأ الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي وهو رحيلها، الخبر الذي تمنى الكثيرون تكذيبه، لكنه للأسف قد وقع بالفعل.

كل شيء كان كالعاصفة، كانوا يقاومون التعب والرياح تعاكسهم إلى أن فقدوا البوصلة وانتهت بهم الحياة لفاجعة هزَّت الكثير من الأوساط العربية والدولية، فترجلت متسلقة الجبال العُمانية عن رحلتها نحو عالم الموت، تاركة خلفها وطن يودعها، وعائلة تبكيها، وأناس تتداول لقاءتها وكلماتها، وآخرين يتداولون آخر مقاطع نشرتها على حساباتها، رحلت تلك المرأة التي حملت علم عُمان على أكتافها وغرسته في أعلى القمم الجبلية.

إن رحيلها يعني أن السلطنة فقدت إحدى أهم الشخصيات إلهاماً في تاريخ الرياضة العمانية، بعدما استطاعت أن تصنع لنفسها مكانتها الخاصة بين قائمة الأرقام والشخصيات الأمهر على الإطلاق من المتسلقين في العالم، وهذه المكانة لم تكن فقط مجرد أرقام فارقة وإنما مبنية على قصة إنسانية كتبتها بإصرار وعزيمة وتحدٍ نحو اللاحدود، وبدورها قامت بتحويل المغامرات التي تقوم بها لرسائل حقيقية لكثير من الناس الذين ألهمتهم، وتلك المحطات التي تروي للعالم حكاية امرأة آمنت بأن المستحيل لا وجود له بالأساس ومن يريد الوصول سيصل مهما كانت الظروف قاهرة.

فبين عامي 2015 و2021 مضت الحارثية برحلتها التي لم يخترها الكثيرون وربما كانت بالنسبة لكل من حولها مجازفة صعبة، لكنها اتجهت نحو قمة إيفرست، تلك القمة التي كانت تسجل بطولات حقيقية لكل من يصلها، وكليمنجارو، وأما دابلام، وماناسلو لا تمتلك سوى الزاد وعلم عُمان الذي تحميه بكل قوة لترفعه عالياً عند الوصول، حملت علم عُمان بقلبها قبل أن تغرسه على قمم الجبال لتكون من أوائل العمانيات اللاتي أوصلن راية الوطن لأعلى المرتفعات وأخطرها على الإطلاق والتي لا يصل إليها إلا من يمتلكون عزيمة كبيرة وتحديا ذاتيا قويا.

والمتابع لمسيرة نظيرة الحارثية -رحمة الله عليها- سيعلم جيدا أنَّ القمم لم تكن غايتها الأخيرة، أو المبتغى الأساسي، بل إنها كانت تثبت للبشرية أن الإرادة الإنسانية قادرة على أن تمضي بكل قوة وثبات، وعلى إمكانية تجاوزها الحدود، فالإنسان في الأعلى لا يملك سوى نفسه، شخص حر طليق، محلقاً دون أجنحه، تاركا نفسه للطبيعة والقدر، لذلك كرست سنوات طويلة من عمرها لتدريبات ذهنية وبدنية شاقة، تعلمت خلالها كيف يمكن للإنسان أن يعيش في ظل تقلبات الطقس وانخفاض درجات الحرارة والتعامل مع نقص الأوكسجين، تعلمت كيف يمكن للمرء أن يسافر في كل رحلة يودع فيها أحبته على أمل أن يعود، وفي كل مرة كانت تلوح لهم بالرحيل تعود إليهم بكل سعادة، إلا هذه المرة كان الوداع الأخير الذي بالتأكيد أحزن عُمان بأكملها.

نظيرة التي جعلت الجبال مدرسة الحياة أكثر من كونها ساحة للمغامرات وتسجيل النجاحات وتحقيق أرقام قياسية، فلم يكن حضورها محصورا في الميادين الرياضية، فقد ترأست الاتحاد العماني للرياضة المدرسية، وساهمت خلال عضويتها في اللجنة العمانية للمُغامرات ونشر ثقافة رياضة تسلق الجبال وتشجيع الشباب على اكتشاف قدراتهم وإعطاء أنفسهم فرصة لتحقيق نتائج قياسية مؤمنة أن بناء الإنسان يبدأ من مواجهة الصعوبات والتحديات والمعوقات التي يحبس نفسه بها.

وبعد هذا العزاء الصعب فأكثر ما سيبقى من نظيرة ليس تلك الصور التي تم التقاطها في أعالي الجبال وبين أصدقائها من أهم المتسلقين في العالم، بل في كلماتها التي لخصت فيها فلسفتها في الحياة "حين تعيش بعض القيم والمشاعر تحت ضغط وظروف استثنائية ستكتشف بأنَّ هذا هو الدرس الحقيقي" حيث كانت ترى في رحلاتها أنَّ الاكتفاء هو الغاية إذ قالت: "فعلت الكثير لأتعلم أن أكتفي بالقليل ".

ومع إعلان نبأ رحيلها ضجت مواقع التواصل الاجتماعي برسائل النعي والدعاء لها، في حين نشر الكثيرون صورها وهي تبتسم في مواجهة الثلوج في مشهد بدا وكأنَّه يلخص شخصيتها في الحياة التي عاشتها متنقلة بين القمم، هي امرأة كانت ترى في كل قمة جبلية بداية جديدة نحو المزيد، وفي كل مغامرة وتحدٍ فرصة لصناعة الأمل، قد تغيب نظيرة الحارثية عن المشهد، وقد لا نسمع المزيد عنها، وقد لا تكتب الصحف مُغامرة جديدة تخوضها، ولكن ستظل القمم التي غرست عليها علم سلطنة عُمان تروي حكاية امرأة عمانية آمنت بنفسها وبقدراتها وتحدت الظروف القاسية لا بارتفاع المكان الذي وصلته ولكن بما تركته من أثر.

2732511.jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z