طفل في قفص الاتهام

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

لديّ قضية أخسرها في كل مجلس، لكنني أعود وأترافع عنها في المجلس الذي يليه، وكأنني محامية لم تتعلم من هزائمها شيئًا. والغريب أنني أقف فيها دائمًا في صف المتهم. والمتهم هذه المرة... طفل.

أعتقد أن كلمة «مشاغب» كانت، عبر التاريخ، أكبر حملة ظلم تعرّض لها الأطفال.

جميع الأطفال يعتقدون أنهم علماء.

ليس العلماء الذين يرتدون المعاطف البيضاء ويعملون في المختبرات، بل أولئك الذين لا يهدأ لهم بال حتى يجروا التجربة بأنفسهم، حتى لو انتهت التجربة ببكاء أحد، أو بكسر مزهرية، أو بوالدة تردد للمرة الألف: "يا رب سلِّم".

خذ أي طفل، وضع أمامه شيئًا لم يره من قبل. لن يكتفي بالنظر إليه.

سينظر إليه من جميع الجهات. سيقلبه. سيهزه. سيضغط كل زر موجود فيه. وإذا لم يفهمه... فسيبدأ المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي يخافها جميع الآباء: مرحلة التفكيك.

لأن الطفل مقتنع بأن كل شيء في هذا العالم يخفي سرًّا في داخله.

والطريقة الوحيدة لمعرفة هذا السر هي أن يفتحه.

ولهذا السبب، لا أظن أن أول شخص فكَّ جهاز التحكم عن بُعد كان مهندسًا. أظنه كان طفلًا بريئًا قيل عنه ظلمًا إنه "مشاغب".

لاحظوا أن هذه الكلمة تُقال دائمًا بنبرة واحدة، نبرة تشبه الحكم القضائي: «ابنك مشاغب»، «ابنتك مشاغبة».

وكأن الطفل لم يُلقِ لعبة على الأرض، بل اختلس أموالًا عامة.

ولا أعرف لماذا نتوقع من إنسان عمره أربع سنوات، ما زال يعتقد أن القمر يرافق السيارة احترامًا له شخصيًّا، أن يتصرف بالحكمة نفسها التي قد نعجز نحن عنها بعد ثلاثين أو أربعين عامًا.

أنا شخصيًّا كنت طفلة مشاكسة. ولسنوات طويلة، كنت مقتنعة بأن أمي تبالغ قليلًا في الوصف.

حتى بدأت أستعيد بعض ذكرياتي، واكتشفت أنها، في الحقيقة، كانت تختار ألطف كلمة ممكنة.

كنت أطرح أسئلة لا تنتهي. ولم أكن أكتفي بالإجابة. كنت أريد الدليل.

إذا قال أحدهم إن النبتة تحتاج إلى الماء كي تعيش، كنت أريد أن أعرف ماذا سيحدث لو سقيناها العصير.

وإذا قيل لي إن الصابون ليس للأكل، لم يكن السؤال: «لماذا؟»

بل: «ومن أين عرفتم؟»

كنت أعتقد أن البشرية وصلت إلى كل هذه النتائج بالطريقة نفسها... شخص جرّب.

ثم جاء شخص آخر وجرّب شيئًا أغرب.

ثم اجتمع الجميع واتفقوا على أن الفكرة سيئة.

وأعتقد أن الأطفال جميعًا يعيشون بهذه العقلية. ولهذا يطرحون الأسئلة التي تبدو لنا غريبة.

لماذا السماء زرقاء؟

لماذا لا نستطيع تربية ديناصور؟

ولماذا لا يمكن أكل معجون الأسنان إذا كانت رائحته جميلة؟

المشكلة أن الأطفال لا يكتفون بالأسئلة. إنهم يريدون الأدلة أيضًا.

ولهذا، إذا قلت لطفل إن الكوب سينكسر إذا وقع، فهناك احتمال لا بأس به أن ينظر إليك باحترام... ثم يرمي الكوب.

ليس لأنه لا يصدقك، بل لأنه يريد التأكد بنفسه.

وهنا يبدأ سوء التفاهم الكبير بيننا وبينهم.

نحن نسمي ذلك عنادًا، وهم يقصدونه تجربة.

كل طفل يولد ومعه فضول يكفي لاكتشاف كوكب كامل. لكن هذا الفضول لا يأتي مرتبًا ولطيفًا.

بل يأتي مزعجًا، صاخبًا، ومتعبًا أحيانًا. يأتي على هيئة أسئلة لا تنتهي، ومحاولات لا تتوقف، وأخطاء كثيرة.

ولو عاد أحدنا بذاكرته إلى طفولته، لاكتشف أنه كان هو أيضًا مشروع كارثة متنقلًا.

لكننا، بطريقة غريبة، ننسى ذلك بمجرد أن نصبح كبارًا.

نحن الكبار نحب التعليمات، أما الأطفال فيحبون التجارب.

نحن نقول: «لا».

وهم يسمعون: «هناك قصة مثيرة تستحق الاكتشاف».

ولهذا السبب، لا توجد كلمة تثير فضول الطفل أكثر من عبارة: «إياك أن...»

بمجرد أن يسمعها، يبدأ عقله بالعمل بسرعة مذهلة.

إياك أن تفتح هذا الدرج.

إياك أن تقترب من هذه الغرفة.

إياك أن تضغط هذا الزر.

ولا أعرف لماذا، لكن كلمة «إياك» عند الأطفال تبدو وكأنها دعوة رسمية للمشاركة.

وأظن أن أكثر جملة سمعها الأطفال في التاريخ هي: «لا... توقف... لماذا؟»

وهي الجملة نفسها التي يقولها الكبار بعد خمس دقائق من أي جريمة صغيرة يرتكبها الطفل.

الطفل يرسم على الحائط: «لماذا؟»

يفرغ علبة المناديل كاملة: «لماذا؟»

يضع الحذاء في الثلاجة: «لماذا؟»

ولا أحد ينتبه إلى أن الطفل نفسه يستطيع أن يسأل السؤال ذاته.

لماذا لا أرسم على الحائط طالما هو أكبر ورقة في البيت؟

ولماذا لا أضع الحذاء في الثلاجة إذا كنت ما زلت أكتشف وظيفة كل شيء؟

ومن الذي قرر أصلًا أن الثلاجة للطعام فقط؟

أعرف... أعرف...

الفكرة تبدو سخيفة بالنسبة إلينا. لكنها ليست سخيفة أبدًا بالنسبة إلى طفل لم يمضِ على وجوده في هذا العالم سوى بضع سنوات.

الغريب أننا نحن الكبار ننسى طفولتنا بسرعة مخيفة.

ننظر إلى طفل يقفز على الكنبة، فنقول إنه لا يستطيع الجلوس بهدوء.

مع أننا، لو فتشنا في ذاكرتنا قليلًا، لاكتشفنا أننا كنا نعتقد أن الكنبة سفينة، وأن الأرض بحر. لا أعرف متى فقدنا هذه القدرة المدهشة على تحويل غرفة الجلوس إلى غابة، والممر إلى سباق سيارات، والبطانية إلى قلعة.

لكنني أعرف أننا فقدنا معها شيئًا جميلًا جدًّا.

ولأكون عادلة، سأعترف بأن الأطفال لا يرتكبون مشاكساتهم في الوقت المناسب أبدًا. لديهم موهبة خارقة في اختيار أسوأ توقيت ممكن.

إذا كان في المنزل ضيوف، سيقرر الطفل أن هذا هو الوقت المثالي ليصبح المتحدث الرسمي باسم العائلة، وسيشعر أن من حقهم معرفة كل التفاصيل التي لا داعي لمعرفتها أصلًا. سيخبرهم مثلًا أن أباه يشخر، أو أن أمه أحرقت الغداء أمس، أو أن جدته تخبئ الشوكولاتة في الدرج الثالث.

وقد يحرجكم ويسأل سؤالًا عجز الفلاسفة عن الإجابة عنه، مثل: «بابا... لماذا شعرك قليل من هنا؟».

وإذا كنت في مكالمة مهمة، سيشعر بحاجة ملحّة إلى أن يسألك بصوت يسمعه الحي كله: «ماما... لماذا لا تملك الدجاجة أسنانًا؟».

وإذا حاولت تجاهله دقيقة واحدة، سيكرر السؤال كأنه مذيع نشرة أخبار يرى أن من حق الشعب أن يعرف الحقيقة.

لكن، على الرغم من ذلك كله، أحترم جدًّا في الأطفال أنهم لا يخجلون من الجهل. نحن نخاف أن نسأل حتى لا يقال إننا لا نعرف.

أما الطفل، فيسأل عن كل شيء. يسأل عن الموت، وعن السماء، وعن الوقت، وعن الله، وعن سبب اختلاف الناس.

وقد يسأل السؤال نفسه عشر مرات، لا لأنه لم يسمع الإجابة، بل لأنه يحاول أن يبني العالم داخل رأسه قطعةً قطعة.

وهذا، في رأيي، أجمل أنواع الذكاء.

أحيانًا أفكر أن المشكلة ليست في الأطفال، بل فينا نحن.

لقد اعتدنا العالم حتى توقفنا عن رؤيته. أما هم، فما زالوا يرونه للمرة الأولى.

نحن نمر بجانب شجرة من دون أن نرفع رؤوسنا أو ننظر إليها. أما الطفل، فقد يقف خمس دقائق كاملة يتأمل نملة تحمل فتات خبز أكبر منها.

نحن نستعجل الطريق، أما هو فيتوقف لأن شكل الغيمة يشبه فيلًا كبيرًا، أو لأن حجرًا لامعًا على الرصيف يستحق أن يعود به إلى المنزل. ثم نستغرب أنه تأخر.

لهذا، كلما سمعت أحدًا يصف طفلًا بأنه «مشاغب»، أحاول أن أمهل نفسي ثانية إضافية قبل أن أوافقه.

أسأل نفسي أولًا: هل كان هذا الطفل يحاول الإزعاج فعلًا؟ أم كان يحاول أن يفهم؟ هل كان يقصد التخريب؟ أم كان يقصد الاكتشاف؟

فليست كل فوضى عبثًا، وليست كل مشاكسة سوء تربية.

أحيانًا تكون مجرد عقل صغير لم يقتنع بعد بأن العالم يجب أن يُؤخذ كما هو، من دون أسئلة.

ولهذا السبب أحب الأطفال أكثر مما ينبغي. ليس لأنهم ملائكة... فهم ليسوا كذلك إطلاقًا.

بل لأنهم يذكرونني بنسخة منا كانت تؤمن بأن لكل باب سرًّا، ولكل سؤال إجابة، ولكل يوم مغامرة جديدة.

نسخة كانت ترى العالم واسعًا، وغريبًا، وجديرًا بأن نندهش منه.

ثم كبرنا، وصارت دهشتنا أصغر.

أما هم... فما زالوا يعيشونها بالحجم الكامل.

ولهذا، في المرة القادمة التي يصف فيها أحد طفلًا بأنه «مشاغب»، أنصحك أن تفكر في الأمر بطريقة مختلفة.

تذكّر أن الشخص الذي يرتدي اليوم بدلة أنيقة، ويدفع فواتيره، ويحضر اجتماعاته بكل وقار... كان يومًا ما يضع خوذةً صنعها من صندوق كرتوني على رأسه، ويمتطي عصًا خشبية، ويجوب أرجاء المنزل بكل جدية، مقتنعًا بأنه رائد فضاء في طريقه إلى القمر، أو فارس عاد لتوّه من معركة انتصر فيها وحده.

وبناءً على ما سبق... أطالب ببراءة جميع الأطفال من هذه التهمة، وإحالة بعض الكبار إلى المحاكمة بتهمة مصادرة الفضول واغتيال الخيال.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z