المدن الفارهة .. تجريف الهوية وترسيخ الطبقية؟!

 

 

محمد عبد العظيم العجمي

 

حين ينعكس المنطق الثقافي، وتختل الموازين الطبيعية لمنظومة القيم، فيقدم ما يجب تأخيره، ويؤخر ما يجب تقديمه، وتقفز الفروع على مقدرات الأصول، وتقدم الوسائل على الغايات حتى تزدرد الأولى الثانية.. هنا يستوجب الأمر وقفة تأملية، ودق أجراس الخطر لإنقاذ البقية الباقية من (الإنسان) الطبيعي، الذي جرفته سيول الحضارة، وسطوة المدن الفارهة.

في رواية (أحدب نوتردام): يتحدث الكاتب عن (بقايا الإنسان، أو نصف الإنسان)، هذا الذي أتت عليه سبل التغييب الفكري في الحقبة الزمنية المعروفة ب (عصور الظلام)، حتى أسلمته إلى صورة (الأحدب) والذي استطاع بعد جهد زمني وصراع طبقي فكري أن ينتزع كينونته الطبيعية المجرفة من براثن المستحوذين.

هاجس الرفاهية الرقمية:

والآن تعاد الكرة مع اختلاف الوسائل والصور، من حيث القوة والقدرة على الاستحواذ، وتنوع السلطة، والصدى العالمي المتردد بين أرجاء الكون، والعدوى الحضارية، والهاجس الرفاهي، والتواصل الفكري الرأسمالي الذي ألقى بهاجس (الاستثمار العقاري) وعدوى المدن الفارهة بين أرجاء الكون حتى صارت نمطا استثماريا مستعرا، على حساب منظومات القيم الاجتماعية، ومقدرات الطبقات الكادحة (البولوريتاريا)، وقيمة الإنسان الطبيعية (المكرم).

بدأت هذه القفزة المدنية الذكية ( (smart cities في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بمدينة أبوظبي ، ثم دبي وقطر (مدينة لوسيل ــ التي استضافت كأس العالم 2022)، والمملكة العربية السعودية (نيوم ــ رؤية 2030)، والكويت..وهي المدن التي تعتمد اعتمادا كليا على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ ثم انتقلت إلى مصر (العاصمة الإدارية الجديدة)، بعد (الرحاب ــ مدينتي)، وانتهاء ب (the spine) التي أطلق عليها ما يسمى ب (المدينة الإدراكية cognitive)، التي تتجاوز فكرة (المدن الذكية)، إلى الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي ( ِAi) وإنترنت الأشياء، وهي التقنية التي تتعامل مع الأزمات والمشاكل المتجددة من تلقاء نفسها اعتمادا على( ِAi) دون تدخل العنصر البشري.. هذه المدينة المرصود لها ما يتجاوز ال 1.5 تريليون جنيه مصري، في قطر تتجاوز نسبة الفقر والأمية فيه الحدود المسموحة عالميا.

هذه الثقافة المعمارية (الفارهة ) التي لم تكن يوما وليدة مجتمعاتنا ولا أفكارنا؛ إنما كانت وافدة بصورة شبه (استعمارية) من الثقافة الغربية الغازية للأقطار الآسيوية (سنغافوة وإندونيسيا)، ثم إلى المنطقة العربية، والتي تعكس تغول الفكر الرأسمالي على الطبقية المتوسطة والكادحة، والتي تصنع حالة من (السطو الاستثماري العمراني) على مقدرات الطبقات الأخرى، حيث يتم التهجير القسري (الوراق ومنطقة وسط البلد مثالا)، والطوعي لهذه الطبقات التي لم تعد تحتمل تكاليف العيش في المناطق المتحولة عمرانيا من (البساطة إلى الأبراج).

مقارنة بين ثقافتين:

 ربما تحمل الدلالة اللغوية اللفظية ( الفارهة ، والرفاهية) انعكاسا للأثر السلوكي والاجتماعي ، حيث (الفاره) هو المختال المغرور المتجبر بقوته وماله وسلطانه، والرفاهية هي التنقل والتنوع في طرائق العيش المتنوعة لوفرة الوسائل المادية، وكلما استطالت المدنية الحديثة في مظاهرها الفارهة؛ كلما رسخت لهذه الفجوات الاجتماعية والتميز الطبقي، الذي يثير حالا من الحقد الاجتماعي، وتقويضا لشكل البنية الاجتماعية، وإهدارا لمنظومة القيم المجتمعية المتولدة عن تلاحم الاجتماع وتشكلات الجوار، وصلة الأرحام، والتعاطي المتعاون نحو القيم الإصلاحية والتجديدية، والتكاتف معا في الحفاظ على استمرارية الثقافة القيمية الراسخة، والمتكونة من الهوية التراثية الدينية والأعرافية والقيمية، والمنتمية تاريخيا لمجموعة من الأصول والحقب والأعراف.

ربما كانت المظاهر الطبقية ليست بطارئة على مجتمعاتنا، فهي جزء من النسيج البشري الطبيعي، وهي جزء كذلك من التركيب الاجتماعي الذي فطرت عليه البشرية والكون "ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم" ، "ليتخذ بعضهم بعضا سخريا".

لكن هذه الطبقية كانت من الإيجابية والتعاون الاجتاعي ما يجعلها انعكاسا طبيعيا للفطرة البشرية، التي تجعل الناس على تفاوت أوضاعهم محتاجين بعضهم إلى بعض، متعاونين بعضهم مع بعض، ولعل نظام الزكاة في الثقافة الإسلامية خير دليل على طبيعية هذه الفروق، وارتضاء كل الأطراف بمقدراته الوجودية.

وقد عاصر بعضنا نمط البرجوازية القديمة التي كانت على اتصال دائم مع الطبقة الكادحة (الإقطاع والفلاحين)؛ بل كانت على قناعة تامة ألا حياة لها دون عمل الفلاحين، وأن ما يجري في أيديها من خيرات ونعم هو حتما مردود طبيعي لجهد هذه الطبقة، وأثر من آثارها الصارخة، وقد كان متاحا فترة ما قبل الخمسينات ما يسمى ب (الحراك الاجتماعي ) الذي تحدث عنه د. جلال أمين في كتابه (ماذا حدث للمصريين)، وهو انتقال أصحاب العقول والامتيازات الطبيعية والمجتهدين من الطبقة الكادحة والمتوسطة إلى الطبقة البرجوازية، دون أدنى حنق أو غمط لاستحقاق هذه الجهود ما وصلت إليه؛ بل كان مرحبا به..

وقد تحدث الكاتب والمؤرخ (جمال بدوي) في كتابه (محمد علي وأولاده) عن بعض هذه الحالات بالإسم، أمثال : إبرهيم باشا النبراوي ــ بائع البطيخ الذي أصبح نابغة في الطب، وكان يتولى الطبيب الخص ل (الوالدة باشا) والدة محمد علي.

بل كانت النهضة المصرية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أمثال : رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وعبدالله دراز، والعقاد والمازني وسعد زغلول وغيرهم من أبناء هذه الطبقة المتوسطة التي قفزت من خلال السلم الاجتماعي إلى الطبقات المنظرة والحاكمة لهذا الوطن.

أما الطبقية القافزة من خلال الثقافة البرجوازية الغربية، والفلسفة (البراجماتية)، فهي التي ترسخ لقيم المنفعة الذاتية، والانفصام أو العزلة الاجتماعية بين الطبقات، بحيث تحصر الطبقات الكادحة فيما يشبه الكانتونات المنعزلة عن سمع وبصر المدن الفارهة، حتى لا مجال هناك للأيدي العاملة، والمنفعة المباشرة بين الأشخاص، إنما تتولى هذه المهن شركات متخصصة للخدمات والعمالة، حتى ينقطع التواصل المباشر بين البشر وبعضهم، إلا عن طريق المتعهدين.

الدولة التي تحولت إلى مستثمر:

إن الدولة في هذه النظم المُدنية الحديثة تحولت من راع مسئول عن رعيته، إلى مستثمر (مقاول)، وبالتالي أصبحت تنظر إلى المواطن نظرة استغلال بدلا من نظرة الإصلاح وتقديم الخدمات، فالفكر الاستثماري الطبيعيي هو الذي يبحث في الطرق التي يستغل بها دخول المواطنين مهما كانت بساطتها في توفير خدمات استثمارية لهم، عن طريق الإلحاح في الإعلان والإغراء بوسائل التقنيات الحديثة ، ولا يعدو المواطن إلا أن يكون أحد فرائسها الحالية أو المرتقبة، وكلما تحسنت أوضاعه الاجتماعية أو زاد دخله، هرع المستثمر إلى إغرائه لاقتناص هذه الفئة الجديدة من الدخل.

بالإضافة إلى ذلك فإن الدولة تقوم بدور الشرطي المخدم على هذا المستثمر (الدولة أيضا)، بانتزاع بعض ممتلكات المواطنين ذات الإرث الطبيعي الممتد قسرا وجبرا، لبيعها أو استغلالها كأبراج استثمارية مطلة على النيل، أو كمدن جدية ، مع تعويض المواطن بثمن بخس لا يعادل قيمة الأرض ولا المسكن.. وهي حالة من الاحتكار التي لم تكن معروفة في مجتمعاتنا، ترسخ لتهميش الطبقة الكادحة أو تجريفها.

وقفة محاسبة وتدقيق:

إن مثل هذه التغول الرأسمالي الاستثماري المدني، هو حال من هدم أو تجريف الهوية الاجتماعية التاريخية، وليس معنى ذلك أننا نقف في وجه الاستثمارت المجددة المفيدة ؛ لكنه لا ينبغي أن يكون ذلك بمعزل عن منظومة القيم والأخلاق والأعراف المتوراثة، وأن يكون الإنسان محور هذه الفعاليات والإضافات ، وأن يكون المردود بعضه أو أكثره لصالح الارتقاء بهذا المواطن البسيط، الذي هو ارتقاء طبيعي بمنظومة (الوطن) الذي يستظل الجميع بظلاله، ويتفيأون دوحاته الفيحاء.

أما تسليع الإنسان أو تشييئه ــ كما يسميه د. عبدالوهاب المسيري ــ فهو إيذان تدريجي متراخ بتجريف الهوية التاريخية والثقافية والدينية والأعرافية لهذا الوطن، حتى ينشأ جيل يفقد معنى الانتماء والتمسك، ويتعامل مع الوطن كقطعة يسكنها ولا تسكنه، ويكون نمط العلاقة بينهما استغلال واستثمار، ليس تعاونا ولا تضحية ولا فداء.

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z