مضيق هرمز.. الممر الشائك

 

 

إدريس بن علي السعيدي

idris.alsaidi@kg.om

 

"إن عُمان تعهدت بالدفاع عن حق جميع السفن المسالمة بالمرور عبر هذا المضيق، وهذا واجب علينا وفقاً للقانون الدولي".

السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه-، خطاب العيد الوطني التاسع، 18 نوفمبر 1979م.

لم تكن هذه الكلمات مجرد موقف سياسي عابر، بل كانت إعلاناً واضحاً عن النهج العُماني في التَّعامل مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فمضيق هرمز ليس ممراً مائياً يربط الخليج العربي ببحر عُمان وبحر العرب فحسب، بل هو نقطة تلتقي عندها المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية، حتى أصبح يوصف بأنَّه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، أو كما يسميه البعض "الممر الشائك"؛ لما يشهده من تنافس إقليمي ودولي مستمر.

ويقع مضيق هرمز بين سلطنة عُمان وإيران، حيث تشرف سلطنة عُمان على ضفته الجنوبية من خلال مُحافظة مسندم، بينما تشرف إيران على ضفته الشمالية. ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 54 كيلومتراً، في حين تمر السفن عبر ممرات ملاحة دولية ضيقة تخضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ولا تنبع أهمية مضيق هرمز من موقعه الجغرافي فقط، بل من دوره الاقتصادي الذي جعله شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، يعبر المضيق يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته، وهو ما يُمثل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى مرور ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. كما تتجه نحو 80% من صادرات النفط والغاز المارة عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مُباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.

وتعتمد دول الخليج العربي بصورة كبيرة على هذا الممر الحيوي، إذ تعبر عبره يومياً صادرات المملكة العربية السعودية التي تتجاوز 6.2 مليون برميل، والعراق بنحو 3.6 مليون برميل، والإمارات العربية المتحدة بحوالي 3.2 مليون برميل، إضافة إلى صادرات الكويت وإيران وقطر والبحرين، وهو ما يوضح أن استقرار المضيق لا يخدم دول المنطقة وحدها، بل يحمي مصالح اقتصادية تمتد إلى مختلف أنحاء العالم.

ولم يكن اهتمام سلطنة عُمان بمضيق هرمز وليد العصر الحديث، بل ارتبط تاريخها البحري منذ القدم بحماية السواحل وتأمين طرق التجارة. وشهدت المنطقة عبر القرون منافسة بين القوى البحرية المختلفة، كما واجه العمانيون محاولات للسيطرة على موانئهم وسواحلهم، سواء من بعض القوى الفارسية في فترات تاريخية متعاقبة أو خلال الاحتلال البرتغالي في القرن السادس عشر. ومع ذلك، تمكنت سلطنة عُمان من استعادة نفوذها البحري، وأصبحت قوة بحرية امتد تأثيرها إلى سواحل شرق أفريقيا والهند، وأسهمت في حماية الملاحة وتعزيز التجارة في المحيط الهندي.

ومنذ انطلاق النهضة المباركة عام 1970، تبنت سلطنة عُمان رؤية واضحة تجاه أمن مضيق هرمز، تقوم على تحقيق التوازن بين ممارسة حقوقها السيادية، واحترام القانون الدولي الذي يكفل حرية الملاحة لجميع السفن. وقد أكد السلطان قابوس طيب الله ثراه في أكثر من مناسبة أن حماية هذا المضيق واجب وطني، وفي الوقت نفسه مسؤولية دولية، لأن استقرار هذا الممر يخدم جميع الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة.

كما أدركت سلطنة عُمان مبكراً أنَّ أمن المضيق لا يتحقق بالتصعيد أو فرض الأمر الواقع، وإنما بالتعاون والحوار. وانطلاقاً من هذا النهج، وقعت سلطنة عُمان وإيران عام 1974 اتفاقية لترسيم الجرف القاري، بهدف تحديد الحقوق البحرية لكلا البلدين وتجنب أي نزاعات مستقبلية، كما اتفقتا على التعاون في تعزيز أمن الملاحة بالمضيق. وقد عكست هذه الخطوات إدراكاً مبكراً لأهمية الحفاظ على استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وترسيخ مبدأ الحوار والتعاون بما يخدم أمن المنطقة والملاحة الدولية.

وفي العقود الأخيرة، أصبح مضيق هرمز محوراً للعديد من الأزمات الإقليمية، خاصة مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية. وقد استخدمت إيران التهديد بإغلاق المضيق في أكثر من مناسبة كورقة ضغط سياسية، إلا أن أي إغلاق فعلي سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة، ليس على دول الخليج وحدها، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، نظراً لاعتماد العديد من الدول على الطاقة التي تمر عبر هذا الممر.

وفي خضم هذه التحديات، واصلت سلطنة عُمان أداء دورها المعروف بالحكمة والاتزان، مستندة إلى سياسة تقوم على الحوار والوساطة واحترام القانون الدولي، مع التمسك بحقها السيادي في حماية مياهها الإقليمية وضمان سلامة الملاحة. وقد أكسب هذا النهج سلطنة عُمان ثقة المجتمع الدولي، ورسخ مكانتها بوصفها دولة تسعى إلى تقريب وجهات النظر والحفاظ على أمن المنطقة.

ختاماً، يبقى مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي، فهو شريان يربط اقتصادات العالم، ونقطة تلتقي عندها الجغرافيا بالتاريخ والسياسة بالاقتصاد. وقد أثبتت سلطنة عُمان، عبر تاريخها ومواقفها الثابتة، أن حماية هذا المضيق لا تقوم على استعراض القوة، وإنما على الحكمة، واحترام القانون الدولي، والتعاون بين الدول. وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، سيظل هذا الممر الشائك شاهداً على أهمية الدور العُماني في حماية أمن الملاحة، وتعزيز الاستقرار، وصون أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

ويبقى السؤال، هل وجود ميناء الدقم التابع لسلطنة عُمان، ومع ما يشهده العالم من توترات عبر مضيق هرمز، هل يمكن أن يكون بديلاً اقتصادياً ناجحاً عبر ممرات برية تربطه بدول الخليج، ويسهم هذا الميناء في الحفاظ على الوضع الاقتصادي العالمي بعيداً عن التوترات والنزاعات.

 

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z