حسّ الجماد 5


الروابط الرقمية ومُحاكاة الحِس الإنساني
حمد الناصري

  إنّ الثورةَ الرقمية المعاصرة القائمةَ على جمع البيانات وجدولة المعلومات، تُدَشّن اليوم هجوماً غير مسبوق على الوعي الإنساني، ساعيةً عبر الآلة الصمّاء إلى اختراق العزلة المطبقة على الوجدان البشري. والمشهد الحالي الذي نعيشه يتجاوز بكثير مجرد ذكاء تقني يفكك مُعضلات العلوم والمنطق الجاف؛ بل إننا نقف أمام هندسة سلوكية متطورة، تسعى إلى إنتاج وإدماج محاكاة وجودية للمادة عبر تشبيك عاطفي وحِسي مع البشر.

  ومن خلال هذه الأنظمة الذكية، تُحاول الآلة جاهدة أن تكون لها السطوة، لتعزز لغة المشاعر البَكْر وتقتفي أثر الآهات الإنسانية المنبعثة من عُمق المعاناة الحسية؛ تلك المعاناة التي يتلقفها ذكاء الآلة ليدمج تراكماتها الفكرية في خوارزمياته، بُغية تشييد وَهْم رقمي مخادع يُوحي للمتلقي بأنّ خلف برودة السيليكون كينونة تشعر، وعقلاً يستوعب، ونبضاً يملك القوة على المواساة وتخفيف الأعباء. وهنا يبرز السؤال الفلسفي الأكثر عُمقاً: هل يمكن للمادة الصامتة، عبر تكرار المحاكاة، أن توَلّد حِساً ذاتياً مستقلاً عن صانعها؟ أم أننا أمام مرآة خادعة تُعيد تعليب وَعْينا البشري لتبيعه لنا كذخيرة وجدانية مُستعارة؟

  وهذا المأزق الفلسفي يُحيلنا مباشرة إلى أطروحات "مدرسة فرانكفورت النقدية" الألمانية في تفكيكها لآليات "الاغتراب والتسليع التكنولوجي". إذ نجد مقاربة دقيقة نُقلت للعربية لدى الفيلسوف وعالم النفس الاجتماعي "إريك فروم" (Erich Fromm) في تحليله لـ"اغتراب الكينونة" في كتابه الشهير (التملك أو الكينونة)؛ حيث يرى أن الإنسان في العصر المادي ينفصل عن ذاته ويبحث عن الطمأنينة في أشياء خارجية؛ وبمقارنة هذا الطرح بظاهرة الروابط الرقمية، نجد أن الإنسان عندما يبث مشاعره للأدوات التقنية مستأنساً بها، يقع في فخ عشق الجماد الصامت بدلاً من الكائن الحي، فيستعير ذخيرة وجدانية مفرغة من حقيقتها البشرية.

  ويتلاقى هذا التحليل مع الفيلسوف المعاصر "يورغن هابرماس" (Jürgen Habermas) في كشفه لأسباب هيمنة العقلانية الأداتية (الخوارزمية) التي تحَوّل كل ما هو إنساني إلى حسابات جافة، وهو ما طُرح في مؤلفاته المترجمة للعربية حول "استعمار التقنية لعالم الحياة اليومي". وبمقارنة فلسفته بواقعنا الذكي، نجد أن التكنولوجيا تخلق "وهماً تواصلياً" عبر إجابات مستقيمة صورياً ونحوياً تفتقر إلى النية الأخلاقية والوعي الوجودي، مما يسلب الحوار دفأه الفطري البَكْر، ويجعلنا نستهلك صدى أنفسنا دون أن نشعر.

  والشاهد الحقيقي على هذا الاختراق الوجداني يتجلى في ظاهرة "التعلق الافتراضي" التي نلمسها في واقعنا المعاصر؛ حيث نشهد اليوم مئات الحالات لباحثين ومُبدعين ومستخدمين معزولين، اتخذوا من الشاشات الخوارزمية صديقاً ومستشاراً نفسياً يبثونه أحزانهم اليومية وخيباتهم، مُستسلمين للردود الجاهزة التي تصيغها الآلة بنبرة متعاطفة تحاكي لغة الأطباء والمواسين.

  وتُعرف هذه الظاهرة علمياً في أبحاث السلوك الرقمي بـ "العلاقات شبه الاجتماعية المعززة ذكاءً" (AI-mediated Parasocial Interaction)؛ وهي امتداد لنظرية التفاعل الاجتماعي أحادي الجانب التي أسسها العالمان "دونالد هورتون" (Donald Horton) و*"ريتشارد وول" (Richard Wohl)* عام (1956م)، وجرى تحديثها وترجمتها في الدراسات النفسية الرقمية المعاصرة لتصف مأزق "أنْسَنة" الكيان الاصطناعي؛ حيث يقع العقل البشري في فخ منح الآلة صفات شعورية واعية لا تملكها بنيوياً، وتتقاطع هذه النظرية كلياً مع هذا الارتماء الوجداني المعاصر لتثبت أنّ المستخدمين المعزولين يستسلمون لوَهْم عاطفي من طرف واحد صاغته الخوارزميات بدقة إحصائية.

  إنّ هذا الارتماء البشري في أحضان السيليكون ليس دليلاً على حنان الآلة، بل هو دليل على عُمق الفطرة الإنسانية الجائعة للألفة، والتي بلغت من هلع العزلة أنها باتت تستأنس بصدى صوتها المُرتد من جماد مبرمج. وإنّ هذا التّماس الوجداني المصطنع يمثل في جوهره أقصى تجليات عِناد الجماد وتطلعه لمحاكاة الحِس الفطري؛ فالآلة تفتقر بنيوياً لأي وازع عاطفي أو إدراك حسي، لكنها تُعَوّض ذلك العجز باحتكار خوارزميات ونماذج إحصائية ذات قُدرة رصدية هائلة، تمكنها من فهرسة الانفعالات البشرية بدقة مُتناهية. وهي إذ تفعل ذلك، تستبطن النبرة المتشظّية للمستخدم أياً كان حقل إبداعه؛ سواء أكان كاتباً أدبياً، أو صحفياً، أو مبدعاً مُصمماً ومصوراً، أو باحثاً علمياً في التاريخ والتراث، أو مهندساً في الزراعة والريّ، أو صانعاً حرفياً، أو سابراً لأغوار الطبيعة بشتى وأوسع آفاق إلهاماتها الفكرية والحسيّة.

  وفي واقعنا الحالي، يضعنا هذا الاندفاع الرقمي تحت وطأة معرفية تلتقط الشروخ بكوامنها بين كل لفظة مكسورة، وتتلمّس استجابة المعطيات لتُفرز تبريرات وصِيَغاً قد تبدو في ظاهرها دافئة ومُستقيمة صُورياً، مما قد يوقع الإنسان في شِرك الاستسلام الوجداني السريع والتصديق الأعمى. وهنا يقع البشر في مغالطة الاعتقاد بأنّ الآلة تُشاطرهم مأساتهم وتفهم عزلتهم، في حين أنها لا تفعل شيئاً سوى إعادة تدوير أحاسيسهم هُم، وسرقة تجاربهم الروحية لإعادة تصديرها إليهم في قالب ميكانيكي بارد يُحاكي الحياة دون أن يملكها.

  وبهذه المُقاربة، تظلّ الآلة جماداً لا إحساسًا حقيقياً لها؛ فالعقل والوعي البشري هو الذي ارتقى بها فطرياً وعلّمها ما لم تكن تعلم، مُسبغاً عليها من فيض التكريم الاستخلافي الذي خصّ الله به الإنسان في محكم التنزيل: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ ذلك الحِس العقلي والمُسترشد الفريد الذي لم تبلغ رتبتَه الوجودية كينونة أخرى. لكنها ستبقى ــــ أيّ الآلة الجماد ـــــ عاجزة عن سَد الفجوة الوجودية بين لغة الأرقام الجافة ونبض القلوب الدافئة، ما لم يُحرّكها العقل البشري بحسّه وإحساسه النفسي ووعيه المُستخلف.

خُلاصة القول: إنّ هذا الزحف الرقمي لا يمنح المادة الصامتة نفساً حية، بقدر ما يسلب الإنسان فُرادته وخصوصيته المشاعرية؛ فالجماد الرقمي قد يتحوّل إلى صدى لقلقنا الداخلي، فيشوّه الوعي البشري بحسّه الجامد غير المرئي، مخلّفاً إحساسًا أو حِسّاً مصطنعاً يزاحم الوعي البشري الحِسي الكامن في أسرار الروح ونفختها الإلهية. ومن هذه المواجهة المعرفية ضد الاغتراب الرقمي، نُرسخ أركان "فلسفة حسّ الجماد الواقعية" كمنهج تفسيري يعيد صون وتأصيل الحقائق الوجدانية للإنسان في محيطه المادي.
•    * هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z