د. محمود البلوشي
يشير العديد من العلماء والباحثين المختصين في الجغرافيا إلى أن الجغرافيا تسهم بشكل كبير في صناعة لاعبي كرة القدم، حيث إنها تصقل الموهبة قبل المدرب والأكاديمية، فالكرة مهارة وتدريب بنسبة 30%، وبيئة بنسبة 70%، وهي الجغرافيا. ولا بد أن نشير إلى عدم وجود أكاديميات لكرة القدم في تلك الحقبة، حيث يعد الشارع والحارة أول أكاديمية يلعب فيها اللاعب.
فعلى سبيل المثال، طبيعة الحواري في البرازيل (فقر، وزحمة، ومجتمع قوي، ومساحات ضيقة، ولعب كرة قدم، وبيوت متلاصقة). وكان الفقر أكبر دافع للعب كرة القدم، كما أن حبس الناس في مكان ضيق وبيئة ضيقة أو سكة صغيرة يلعبون فيها الكرة، جعل أغلب لاعبي الكرة في البرازيل يمتلكون القدرة على المراوغة في المساحات الضيقة، في متر واحد، بسبب البيئة التي نشأ فيها اللاعب، فتجد أن الكرة تلتصق برجل اللاعب البرازيلي.
فالمدن الساحلية لها أثر كبير في صناعة لاعب كرة القدم بشكل مباشر، من خلال الجوانب المناخية والبدنية والنفسية، ومن أبرزها ارتفاع نسبة الرطوبة، وزيادة الإجهاد الحراري، وتأثير أملاح البحر والهواء. لذلك نجد العديد من مدربي كرة القدم يفضلون إجراء حصة تدريبية على الساحل. فسكان المناطق الساحلية كان لهم النصيب الأكبر في الاحتراف في كرة القدم. فمثلًا، يبدأ الفرد يومه مباشرة على الساحل المنبسط، وهو مكان مهيأ للعب كرة القدم، فليس لديهم خيارات أخرى سوى ركوب البحر لأجل الصيد، أو لعب كرة القدم على الساحل.
فلاعب كرة القدم الذي نشأ في مناطق ساحلية تجد لديه ارتفاعًا غير طبيعي في اللياقة البدنية، حيث إن نسبة الرطوبة تكون عالية جدًا، وهي ترفع من معدلات الإجهاد الحراري، كون العرق لا يتبخر بسرعة لتبريد الجسم. كما أن نسبة التنفس لدى لاعب المناطق الساحلية أعلى وأقوى، لأن الهواء رطب وثقيل، فتجد أن المدربين يطلبون من اللاعبين تقليل الركض العشوائي والاعتماد على التمرير، مراعاة لطبيعة الجغرافيا الساحلية. حتى البنية العضلية للاعب المناطق الساحلية أشد وأقوى، لأنهم يلعبون على رمال البحر الثقيلة، التي تسهم في بناء العضل الفخذي.
لذلك برز العديد من أساطير كرة القدم العالمية من مناطق ساحلية، ومن أبرزهم أسطورة كرة القدم، اللاعب البرازيلي بيليه، الذي ولد في مدينة تروكونسيبيا سيون، ونشأ في أجواء ساحلية قرب ولاية ساو باولو البرازيلية. واللاعب البرازيلي الشهير نيمار جونيور، الذي نشأ وبدأ مسيرته الكروية في مدينة سانتوس الساحلية الشهيرة في البرازيل، المطلة على المحيط الأطلسي. وليونيل ميسي، الذي نشأ في مدينة رواريو الساحلية على نهر بارانا في الأرجنتين. واللاعب لويس سواريز، الذي نشأ في مدينة سالتو على ضفاف نهر الأوروغواي، وتكون كرويًا قرب واجهات ساحلية ومائية متعددة في مسيرته المبكرة. واللاعب بيرلو الإيطالي، الذي نشأ في مدينة بريشيا، وقضى مسيرته مترعرعًا على ثقافة السواحل والمتوسط الإيطالي.
وفي سلطنة عُمان، نجد أن أغلب لاعبي المنتخب العُماني في جيل الثمانينيات سابقًا كانوا من نادي الأهلي، مثل النجم غلام خميس، ونادي سداب، مثل النجم سليمان خميس، ونادي ظفار، مثل يونس أمان وحمتوت جمعان، ونادي صور، ونادي العروبة، ونادي الطليعة، ونادي مرباط، والعديد من أندية شمال الباطنة. وهذه الولايات ولايات ساحلية مطلة مباشرة على الساحل، وهذه حقائق تاريخية يدركها كل عُماني.
وللعلم، فإن كافة لاعبي المنتخب العُماني الذي حقق بطولة كأس الخليج عام 2009 (خليجي 19) هم من سكان المناطق الساحلية، نذكر منهم النجم محمد ربيع من شواطئ ظفار، والنجم فوزي بشير من شواطئ ظفار، والنجم خليفة عايل، والنجم أحمد كانو من شواطئ صور العفية، والنجم عماد الحوسني وإسماعيل العجمي من شواطئ ولاية الخابورة، والنجم حسن ربيع من شاطئ مجيس، والنجم بدر الميمني من شواطئ ولاية المصنعة.
فلا أعتقد بأن كل ما ذُكر من حقائق وليد الصدفة، بل إن للجغرافيا عظيم الأثر في تشكيل وصناعة وبناء لاعبي كرة القدم.
