حمد الناصري
تتجاوز محافظة مسندم حدود تضاريسها الجغرافية؛ فهي ليست مُجرد حيز مكاني مُصمَت أو صامت، بل تحوّلت في الوعي العُماني الأصيل إلى جسد حِسي مشحون بالسيادة والكبرياء، وكيان سياسي يرتكز على ذاكرة تاريخية صَلبة. والمتأمّل في الجغرافيا العُمانية يُدرك يقيناً أنها ليست تضاريس جامدة شكلتها عوامل التعرية، بل هي كينونة واعية تمتلك من العنفوان والندّية ما يجعلها تواجه عواصف التاريخ والأنواء الجيوسياسية المتلاحقة "رأساً برأس".
هذا المصطلح الدارج في الوجدان الإنساني للتعبير عن المواجهة الصارمة والندية المطلقة، يتجلّى في أبهى أبعاده الفلسفية والاستراتيجية عند بوابة "رأس مسندم" العظيم؛ حيث يصطدم الصخر الصلد بالماء العميق، وتتلقى التجاويف نحتاً ثائراً من سطوة الأمواج وهيبتها. وهناك يقف جدار مسندم حارساً أزلياً لا ينحني، وقوة لا تهاب الرياح مهما اشتدت في الإقليم المُحيط بها، أو عصفت بأطماعها صخب إمبراطوريات عبرت عتبة الصلابة التاريخية ومضت. فالعابرون الأوائل ذهبوا، ومن خلفهم انكسرت أطماعهم على أعتاب الصلافة التي أعدتها جغرافيا "رأس مسندم"؛ ليتجذر عِنادها الصامد وتترسخ في ذاكرتها الحيّة هويتها الاستراتيجية التي تمكّنت عبر العصور من رفض كل ما يتنافى مع ندّية "الرأس بالرأس"، وهي ندية حِسية حاسمة ترفض وتُميع كل محاولات التدويل العابر.
إنّ عُمان استمدت ثباتها الاستراتيجي من إرث مُستخلف بشري أحبّ الحياة الآمنة كمعادلة أساسية للسلام، وتقاسم أهلها العيش فوق أرضها، فصنعوا إرثاً مُستقلاً من التعايش المُطمئن. والصخور الصمّاء في مسندم لا تصمت عن جهل، بل لأنها تختزن في تجاويفها ذاكرة صلبة، وتحتفظ بين شُقوقها بأسرار حضارات مكّنتها سنين الحِكمة، فلم تطأ أرضها خُف ولا حافر في غزو أو إكراه. وهذا الذِّكر القديم هو ما اشتهرت به عُمان؛ فأهلها آمنوا وأسلموا طواعية ودون قتال، وذلك ما رفع شأنهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ويعني أنّ الرسالة المحمدية الخالدة وطأت أرض السلام بسِلْم لا حرب فيه ولا قتال، ولا حتى جدال أو شِقاق. فلم يُشاقّ أحد من رجال عُمان بخَيْل أو رَكْب ولا جيوشٍ ولا تجييش، ولم يكن على امتداد تاريخ عُمان غزو قد استقرّ على أرضها أو بحرها؛ بل فاضت رمالها بالخير، وحرست جبالها بحرها، ليشكلا معاً درعاً حصيناً حتى هذه اللحظة التي أرصّ بها مجدها، مفتخراً بأمجادها الساطعة بنور السّلم والسلام.
إنّ العواصف وإنْ اشتدّت تمضي وتبقى الجبال ركائز ثابتة، والأرض قوة مُتماسكة، والبحر المفتوح عُمق خير تستنصر به عُمان جنداً لم تَرَهم عين البشر، جنداً سياجهم دعاء النبي المصطفى لأهل عُمان بالخير والبركة بحراً وبراً، وفيضٌ متدفق من سُؤدد وحِكْمة وكرامة.
خُلاصة القول: إنّ ندّية الوجود تجعل من الجبل والصخر العُماني شريكاً حقيقياً في صياغة التاريخ؛ فهو لا يكتفي باحتواء الحدث، بل يُفرض شروطه السياسية والحِسية على كل من يُحاول تأصيل العبور برسم من عنده. وعلى لسان وزير الخارجية السيد بدر بن حمد البوسعيدي، أعلنت سلطنة عُمان حالة التأصيل الاستراتيجي؛ فأي رسوم تُفرض خارج القانون الدولي للبحار -الذي وقعت عليه السلطنة والتزمت به- هي رسوم لا تستند إلى حق؛ ذلك لأن الحق في فرض الرسوم لا بُد وأن يبدأ من جغرافية الحق العُماني أولاً. وكل استعراضات القوة الخارجية لم تُواجهها عُمان إلا بندية ذكية، لتقول كلمة الفصل في تكوين الممر الآمن للمضيق بكبرياء مُستخلف راسخ في الوعي العُماني الصامد.
