صالح بن سعيد الحمداني
الحياة ميدانٌ رحبٌ وساحةٌ واسعةٌ تمتد أمام الإنسان بكل ما تحمله من احتمالات وفرص وتجارب. إنها رحلة طويلة تتغير محطاتها، وتتعدد طرقها، وتمنح الباحثين عن الأمل والمجتهدين في السعي مساحات لا تنتهي من المحاولات. ولو أدرك الإنسان حقيقة اتساع هذه الدنيا، وآمن بها بعمق، لما سمح لليأس أن يسيطر عليه عند كل تعثر، ولما أطال الحزن على فرصة فاتت أو باب أُغلق في وجهه؛ لأن الحياة أكبر من أن تُختصر في موقف عابر أو تجربة محددة.
إن أكثر ما يعيق الإنسان في طريقه هو ضيق نظرته إلى الوجود من حوله، فمن يعتقد أن نجاحه مرتبط بفرصة واحدة فقط، أو أن سعادته معلقة بتحقق أمر بعينه، فإنه يضع نفسه داخل حدود ضيقة تمنعه من رؤية الخيارات الأخرى المتاحة أمامه، وتحجبه عن اكتشاف مسارات قد تحمل له خيرًا أعظم مما كان يتوقع. فكل صباح جديد يحمل معه احتمالات مختلفة، وكل يوم يمر قد يكون بداية لمرحلة جديدة، إلا أن النظرة المحدودة قد تحول دون ملاحظة تلك الفرص، كما أن القلب المثقل باليأس قد يعجز عن الشعور بقيمتها.
لقد خُلق الإنسان محبًّا للإنجاز، ساعيًا إلى تحقيق أهدافه وطموحاته، وهذا السعي من أجمل الصفات حين يصاحبه الصبر والحكمة وحسن التعامل مع الظروف، غير أن المشكلة تظهر عندما يظن المرء أن فقدان أمر معين يعني فقدان كل شيء، أو أن ضياع فرصة واحدة يعني انتهاء مسيرته بالكامل. هذا الاعتقاد يجعل الإنسان يعيش أسير تجربة مؤلمة من الماضي، ويجعله متعلقًا بحزن على شيء انتهى وقته، أما من ينظر إلى الحياة بسعة وأمل، فإنه يدرك أن تعثر طريق لا يعني توقف الرحلة، وأن فقدان خيار معين قد يكون سببًا في الوصول إلى خيار آخر أكثر ملاءمة وفائدة.
وتكشف لنا التجارب الإنسانية أن كثيرًا من الناجحين مروا بمراحل من الرفض أو الخسارة أو الإخفاق، ثم وجدوا في تلك المواقف نقطة تحول قادتهم إلى نجاحات لم تكن في حساباتهم. فهناك من لم يحصل على فرصة كان يتمناها في بداية حياته، لكنه واصل التعلم والعمل حتى أصبح صاحب أثر كبير في مجاله، وهناك من خسر مشروعًا أو صفقة اعتقد أنها تمثل نهاية طموحه، ثم اكتسب من التجربة معرفة أعمق ساعدته على بناء نجاح أكبر، وهناك من واجه رفضًا في بداياته، ثم جعل من الصبر والمثابرة طريقًا للوصول إلى مكانة مرموقة.
ومن هنا تظهر أهمية النظر إلى البدائل وعدم التوقف طويلًا عند ما فات، فالإنسان الحكيم لا يستهلك طاقته في الحسرة على الماضي، وإنما يبحث عن الفرص الموجودة أمامه، ويعيد ترتيب أهدافه بما يتناسب مع واقعه الجديد. إن القدرة على التكيف مع المتغيرات من الصفات التي تمنح الإنسان قوة حقيقية؛ لأنها تساعده على تجاوز الصعوبات وتحويل العثرات إلى خبرات نافعة، وربما إلى بدايات تحمل نتائج أجمل مما كان يتخيل.
أما النظرة الضيقة إلى الحياة، فهي من أكثر الأمور التي تزيد الشعور بالإحباط وتضاعف الإحساس بالخسارة، فالإنسان الذي يربط مستقبله بأمر واحد فقط، سواء كان عملًا أو علاقة أو هدفًا محددًا، قد يشعر بانهيار كل شيء عند فقدانه لذلك الأمر، وهذه رؤية غير عادلة للحياة؛ لأن الوجود أوسع بكثير من لحظة ألم أو تجربة لم تكتمل أو طريق لم يصل إلى نهايته.
إن الإيمان بسعة الحياة يمنح النفس راحة وطمأنينة، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الفقد، وأكثر استعدادًا لاستقبال القادم بثقة، فالشخص الذي يؤمن بأن غياب فرصة معينة لا يعني غياب جميع الفرص، وأن انتهاء مرحلة لا يعني توقف المسيرة، يمتلك القدرة على مواصلة الطريق مهما كثرت التحديات.
ومن أجمل ما يساعد الإنسان على ترسيخ هذه الرؤية التأمل في نظام الكون وسننه المتجددة، فالشمس تغيب كل مساء ثم تعود في صباح جديد، والأشجار تفقد أوراقها في فصل، ثم تستعيد جمالها في فصل آخر، والمياه تجد دائمًا طريقًا جديدًا مهما واجهت من عوائق. فإذا كان الكون من حولنا يقوم على التجدد والاستمرار، فلماذا يحبس الإنسان نفسه داخل حدود تجربة واحدة أو خسارة عابرة؟
إن اتساع الحياة لا يعني أن الإنسان لن يمر بالحزن أو الألم، وإنما يعني أن هذه المشاعر، مهما كانت قاسية، تبقى مرحلة عابرة لا ينبغي أن توقف المسير. فالإنسان الواعي يعترف بحزنه، ويمنح نفسه الوقت الكافي للتعافي، ثم يحول تجربته إلى مصدر قوة ومعرفة، فهو يتعلم من الماضي، ويستفيد من دروسه، وينظر إلى المستقبل بروح أكثر نضجًا وثقة.
وخلاصة الأمر أن الحياة بالفعل ميدان رحب، ومن يدرك هذه الحقيقة يعيش بقلب أكثر اتساعًا، ونفس أكثر صفاءً، وعزيمة أكثر قوة، فلا تجعل خيبة واحدة تضيق عليك مساحة الأمل، ولا تسمح لخسارة محددة أن تختصر رؤيتك للمستقبل، فكل يوم جديد يحمل فرصة مختلفة، وكل منعطف قد يخفي وراءه خيرًا لم يكن الإنسان يتوقعه. وأكبر ما ينبغي الحذر منه هو تلك النظرة الضيقة التي تمنع الإنسان من رؤية ما ينتظره من آفاق واسعة وأحلام ممكنة، وتجعله أسيرًا للحظة عابرة أمام حياة مليئة بالأبواب المفتوحة.
