فرقة اللوكندة (2)

 

 

 

مُزنة المسافر

 

العجائبية يصطبغ بها حوض السمك، وكم هي الغرابة مثيرة للانتباه حين تسبح تلك السمكات المتهورة، بزعانفها البهرجية، وعيونها المنتفخة الفضولية. هل تفكر في أي حيلة لتوقف البط شفيق عن العوم؟ إنه يريد أن يتدحرج في الماء، وكأنه يريد أن يبلغ كل الهواء في الحوض ويصنع الفقاعات المضحكة.

تصميم الفنان حميد العوفي.png
 

تصميم الفنان حميد العوفي

إنه يعوم، بل يغوص إلى القاع، وينظر إلى كنزٍ ربما ألقته السمكات بين الفضلات، ويعبر جسرًا صغيرًا، ثم يصعد إلى فوق؛ لأن كمال الضفدع يلوح له. يتمسك شفيق بأطراف الحوض، ثم يخرج بهدوء كبير، وكأن وقت اللهو قد انتهى.

شفيق: كل السمك بقى مجنون، عاملين زحمة، ومش عارف أعوم!

كمال: وإيه اللي خلاك تعوم وسطيهم؟

شفيق: بنافس التيار، وهما يعني السمك أحسن منا في إيه؟

إلا قولي… عملت إيه يا ملاك؟

كيف يشرح كمال الضفدع أنه لا يمكنه أن يحصل على أجنحة تشبه أجنحة الملائكة، وحلقة ذهبية تجعل منه بريئًا أمام العصفورة صوفيا؟ إنها تملك الحكمة، خصوصًا حين تنطق بأي جملة.

لقد شعر أنه لا يريد أن يكون وحيدًا في الخطة القادمة، بل يريد أن يكون له سرب يشبه جنونه هنا، يحلق معه ويتبعه إن غادر إلى كتل الهواء المستعجلة، أو بين طبقات الجو المعتمة.

شفيق: قصدك إيه يا كمال؟!

كمال: لازم نتحد ونعمل فرقة، حنسميها فرقة اللوكندة!

سنتحد ونضع المبادئ والأفكار والقيم للشطار منا. سنكون فرقة متعاضدة، متراصة، ومتعاونة في خلق الطموح، والوصول إلى أعلى سحابة وغيمة تأتي فوق رأس اللوكندة.

تحمس كمال، وهنا أراد أن يطير من جديد، ليصنع جناحًا عظيمًا لا تملكه العصافير، وسيكون له وسيلة وحيلة أفضل في ظهوره أمام العصفورة صوفيا. كم سيتذكر ابتسامتها العفوية الجميلة! إنها رائعة في شعورها، ومكوثها في قفص أبيض صغير.

هي هادئة، وتنتظر أي مناسبة لتغني.

وترحب بالنزلاء القادمين بحقائب ملونة، لكنها مفعمة بالنكد.

إنها ستزقزق في غيابه، وستعاتبه إن تأخر في أن يأتي إليها ليسلم عليها. لقد غنت كثيرًا، لكنها تملك بحة لطيفة وسط صوتها.

هل سعلت؟

وهل هي بحاجة إلى ليموناضة؟

يسأل كمال الخواجة يوليوس اليوناني، وهو يراجع دفاتر متكدسة فوق بعضها، يعد ويحسب الأعداد الهاربة من جدول غريب، مكتوب بخط يده.

كمال: بتشرب العصافير الليمونادة يا خواجة يوليوس؟

الخواجة يوليوس: تاني يا كمال يا خبيبي، عايز تغني زي صوفيا ولا إيه؟!

كمال: مش قصدي، اسأل هي بتحب إيه؟

الخواجة يوليوس: بتهب الكلام الخلو، اللي زي العسل.

بتحب الكلام الحلو اللي زي العسل! بل هي العسل الذي ينام في مرطبان صغير فوق رف مطبخ اللوكندة. إنها شهد في غنائها الجميل، حين تغني وتُذكر الناس بالربيع، أو بالخريف الذي يطال الجذوع والأغصان، ويرسم القلوب المتعثرة الراغبة في الالتئام، والأفئدة التي عذبها الزمن دون سبب مقنع.

وأين هي الآن؟

شرح الخواجة يوليوس أنها نائمة في القفص الأبيض الصغير، ولا يمكن إيقاظها أبدًا. أحلامها تنشط بعد أن تتعب. كان يومها طويلًا، والنزلاء كثر، والزوار رحبوا بغنائها وشعورها الصادق.

جلس كمال أمام الجرس الواقف على طاولة الاستقبال، ينتظر أن يقرعه حين يكون هنالك ضيف جديد في اللوكندة، أو نزيل بحاجة إلى الاهتمام.

كمال: حادثة قطار بيتسبب فيها تمساح عايز يتصور قدام القطار.

زرافتين عاملين خناقة شعبية أوي في بركة قصاد السفاري.

الخواجة يوليوس: إيه الأخبار دي؟! كله وحش! ما فيش حاجة حلوة؟!

استفاقت صوفيا من قيلولة النهار، وسمعت صوت كمال وهو يقرأ أول صفحة في الجورنال للخواجة يوليوس.

صوفيا: فروج! إنت هنا؟

كمال: أنا مش فروج… يا صوفيا.

صوفيا: بتهزر؟! طب إنت ليه كده أخضر؟!

أخضر؟! هل يشبه كمال المساحات الخضراء الصامتة في الأرض؟ هل يناسبه هذا اللون؟ أم يحتاج أن يطلي نفسه بلون آخر؟... ربما.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z