يوم النهضة المباركة..  في ذاكرة الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي

 

 

سلمى بنت سيف البطاشيّ

الشيخ القاضي خالد بن مهنا بن خنجر البطاشي -رحمه الله- من الشخصيات العلمية التي جمعت بين القضاء والاهتمام بالعلم والكتاب. وُلد في بلدة المسفاة التابعة لولاية قريات عام 1340هـ، الموافق 1921م، وقد تولّى القضاء في ولاياتٍ عِدَّة، في ربع قرن من حياته، وتوفي سنة 1425هـ، الموافق 2004م.

كثيرًا ما تُخبِّئ الكتب بين صفحاتها شواهد تتجاوز موضوع الكتاب نفسه، إذ يترك أصحابها أو مستعيروها على هوامشها وصفحاتها الأولى والختامية (تقييدات/ تدوينات) تتصل بأحداث عصرهم ووقائع زمانهم، وتكتسب هذه التدوينات أهمية خاصة عندما تصدر عن أشخاص عاصروا الحدث وسجَّلوه في حينه، فتغدو شاهدًا تأريخيًّا يستحق الالتفات إليه.

ومن بين ما وقفتُ عليه من كنوزٍ تأريخيةٍ عظيمةٍ تدوينةُ الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشيّ في كتاب "ابن خلدون"، حيث إنه سجّل فيها حدثًا وطنيًّا مهمًا هو اعتلاء صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيَّب الله ثراه- سُدَّة الحكم في عُمان، وتولِّيه مقاليد السُّلطة.

WhatsApp Image 2026-07-15 at 1.16.11 PM.jpeg
 

وهذا الحدث المفصلي في تأريخ عُمان الحديث، دوَّنه الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، فاختزل فيه ذكرى بقيت آثارها حاضرةً في مسيرة الوطن، ولم يقتصر على إثبات الخبر، بل ضمَّنه وصفًا للكيفية التي تمَّ بها الحدث، كما تلقّاه في حينه، مما منحه قيمةً توثيقيةً تستحق العرض والتسجيل، بوصفه شهادةً تستحق الإبراز.

ولأهمية هذه التدوينة من الناحية التوثيقية، التي لم تكن متداولةً أو يُعرَف عنها شيء، بل بقيت ملازمةً للنسخة التي احتضنتها، رأيت أن من حقها أن تخرج إلى النور -وقد يسّر الله إخراجها من بين صفحات الكتاب- وكذلك أن تُقدَّم للباحثين بوصفها شاهدًا معاصرًا على مرحلةٍ مفصليةٍ من تأريخ عُمان الحديث. أورد نصها هنا كما أثبتها:

 

*(نبذة: في شهر جمادى الأول 1395 من الهجرة أطاح السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل بحُكم أبيه السلطان سعيد بن تيمور. أمر بالهجوم عليه في مقرّه بقصر صلالة من بلدة ظفار. فأمره بالتنازل عن العرش فأظهر الإباء. وفتك ببعض المهاجمين فأطلق الرصاص عليه، فأُرْغم على التنازل وحُمِل جريحًا إلى لندن، وتولى قابوس زمام حكم ظفار وعُمان وأذاع لشعبه أنه لم يقم بهذا الأمر إلا لمصلحة الأمة والبلاد، فأجاب الشعب نداءه بالارتياح والسمع والطاعة، وبعد أسبوع من ذلك وصل العاصمة مسقط والتف حوله رجال الحكومة وأفراد عائلته وأمَّلهم بخير البلاد والعباد. وفور وصوله حل القيود المفروضة على الناس، وخفف الضرائب والقعودات الباهظة، واسترجع الناس الهاربين من سطوة أبيه، وقد أطاح برياسة أحمد بن محمد؛ وأخيرًا اعتقله وجعل على الحُرْث واليًا من قبله وأصبحت رياستهم في خبر كان، حيث تغيَّرت السيرة، وفسدت السريرة كذلك مَنْ لا يسوس الملك يخلعه. ولله الملك الدايم)*. خالد بن مهنا البطاشي، بيده بوادي بني خالد 19 ق/ 1390.

 

ويُستفاد من هذا النص أنه يمثل شهادةً معاصرةً على هذا الحدث، كما يكشف عن اهتمام الشيخ بتسجيل الواقعة التي رآها ذات أهمية، ويزيد من قيمة مثل هذه التقييدات عند الباحث في التأريخ العُماني.

ولم يكتفِ -رحمه الله- بالإشارة إلى واقعة اعتلاء السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- سُدَّة الحكم، بل سجَّل وصفًا لها -كما بلغته في ذلك الوقت-، مما أكسبها قيمةً توثيقيةً جديرةً بالحفظ والإبراز. وعلى قِصَرها فإنها تضمنت عرضًا لأبرز تفاصيل الحدث، ووصفته وصفًا شارحًا جامعًا بين الإيجاز غير المُخِلّ وإيراد أبرز تفاصيل الحدث.

ومن الملاحظ أنَّ الشيخ خالد بن مهنا البطاشي كتب هذا الأثر الكتابي، والذي دوَّنه بعد ستة أشهر تقريبًا من الحدث؛ إذ تولّى صاحب الجلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- حكم سلطنة عُمان في يوم 19 جمادى الأولى 1390هـ، الموافق 23 يوليو 1970م، وتُنبئنا التواريخ بأن هذه الكلمات دُوّنت في وقت كانت أصداء الحدث حاضرة، وما تزال في الأذهان.

ومن خلال ما وقفت عليه من تقييدات أخرى بخطّ الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، يظهر لي أن هذه التدوينة لم تكن منفردة؛ إذ اعتاد الشيخ القاضي -رحمه الله- أن يترك في الصفحات الأولى من كتبه ملاحظات وإشارات تتصل بأحداث، أو وقائع، أو أشعار، أو فوائد استرعت انتباهه.

ويبدو لي أيضًا أنَّ الشيخ خالد بن مهنا البطاشيّ كان يرى هذه الصفحات موضعًا مناسبًا لإثبات ما لا يريد أن يطويه النسيان، وهو أمر نجده عند عدد من العلماء في الأزمنة السابقة، حيث تحوّلت بعض الكتب إلى أوعية تحفظ بين دفتيها جوانب من الذاكرة الشخصية والعامة في آنٍ واحد.

ومن حُسن ما حفظته هذه النسخة من كتاب "ابن خلدون" أنَّ الشيخ خالد بن مهنا البطاشيّ كتب هذا الخبر على هامشها عندما كانت في عهدته على سبيل الاستعارة من سيدي الوالد سيف بن حمود البطاشي -رحمهما الله-، فبقي النص شاهدًا على تلك المرحلة وعلى الحدث الذي تناوله.

ومهما يكن من أمر، فإن هذا الذي سطَّره الشيخ خالد البطاشيّ -رحمه الله- يُمثل شاهدًا محفوظًا في كتاب من كتب التراث التي تخصّ سيدي الوالد -غفر الله له- على حدثٍ من أبرز أحداث التأريخ العُماني في القرن العشرين.

كما أنَّ هذه النسخة من كتاب (ابن خلدون) تُقدِّم مثالًا واضحًا على الدور الذي أدَّته التقييدات/ التدوينات الشخصية في حفظ أخبار عصرها، بل تؤكد أن كثيرًا من الشواهد التأريخية لا تزال كامنةً بين صفحات الكتب، وتنتظر من يعيد قراءتها، ويبرز ما تحمله من دلالاتٍ ومعانٍ.

ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على هذه المقتنيات، والعناية بما تتضمنه من كتابات، وفهرستها، وما تحويه من إشارات متناثرة؛ إذ قد تحفظ لنا سطورٌ قليلةٌ ما لا نجده في صفحاتٍ كثيرة.

ولا يمكن قراءة هذا النص بمعزل عن المرحلة التأريخية التي كُتب فيها؛ فقد جاء في مستهل عهدٍ شهدت فيه عُمان تحولًا جذريًّا عميقًا في بنيتها الإدارية والتنموية، مع اعتلاء حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- مقاليد الحكم. ولم يكن ذلك التحول وليد لحظة عابرة، بل بدايةً لمسيرةٍ امتدت عقودًا، أعادت بناء مؤسسات الدولة، ورسَّخت أسس التنمية، وفتحت آفاقًا جديدةً في التعليم والصحة والاتصالات والبنية الأساسية، حتى أصبحت النهضة العُمانية الحديثة علامةً فارقةً في تأريخ البلاد.

وتكتسب هذه الكلمات التي دوّنها الشيخ خالد بن مهنا البطاشيّ بُعدًا تأريخيًّا أوسع إذا نُظر إليها في سياقها الزمني؛ فهي لا توثق انتقال الحكم فحسب، وإنما تؤرّخ لبداية مرحلة شكَّلت منعطفًا في تأريخ عُمان الحديث.

لذلك رأى أن يُثبته في كتاب (ابن خلدون)، الذي كان بين يديه، وكأنه أراد أن يحفظ للأجيال شاهدًا على لحظةٍ ستغدو فيما بعد نقطة الانطلاق لعهدٍ ارتبط بقيام النهضة العُمانية المباركة، وما شهدته البلاد من تحولاتٍ عميقةٍ في مختلف جوانب الحياة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z