سام بنت محمد
تيقنتُ الآن أنني في سن الخمسين.. بدأتُ أشعر بكبر عمر أيامي، وقلة المتبقي منها، عندما بدأت أختي الصغرى تحاسبني على طول صلاتي، وكثرة همسي في وقت هدوئي. تيقنتُ الآن أنني في عمر بدأتُ فيه بعدِّ دقات قلبي كلما شعرت بسرعة خطواتي أو قلقي المتزايد.
هي الخمسين قولًا، وفعلًا، وصدقًا. فلقد توقفت قدماي عن الجري خلفه، والسعي وراء وداد ينفد ولا يمتد. وهنا أعرف أنني لستُ تلك الثلاثينية أو الأربعينية. لم أعد أرجو ودادًا باطلًا، ولا محبة تدوم للحظات مؤقتة، ولا أرغب في البقاء مخفية عن عيون الخليقة. لا تستهويني سرية الرباط، ولا يدوم معي تأثير الحديث بصوت خافت.
أذهب للنوم باكرًا، عادة أخذتها منذ عدة سنوات، ولكن الآن علمتُ أنني كنتُ أُحضِّر جسمي لاستقرار النوم وأنا في الخمسين من أيام عمري.
خمسون عامًا مضت، وأنا أراه في كل رجل. قد يكون هذا.. لا، هذا ليس بأسمر.. ما رأيك بذاك؟ جنونه يسبق هدوءه. وأخيرًا، توقفت عن رسمه في مخيلتي، فمن مر عليَّ أكد أنه لم يُخلق بعد.
عندما أركن إلى غرفتي، وأرى فيها سلامي الوحيد والدائم، ورائحة عطري تفوح مع الهواء البارد المكتنز في الجدران التي أتدفأ بها، أتيقن أنني ولجتُ عامي الخمسين بعد مشقة وعناء.
الخمسون ربيعًا هي من صنعت مني الأنثى الهادئة، الراضية، الحنونة، تلك التي تجهز قهوتها من قبل شروق الشمس، وتضع الفناجين حاضرة؛ لأنها تسمع خطوات أحبتها قادمة، ورائحة البن المطهو تجذبهم لبدء يوم جديد، والاهتداء إلى سكينة اليوم قبل الخروج لفوضى الحياة.
علمتني الخمسون عامًا التي انقضت أن الدوام، لأيٍّ كان وجوده، عدم، وأن القلب كل لحظة في اتجاه؛ يرضى بما لديه تارة، ويسخط مما ضاع منه تارة، وتارة أخرى يبقى على حاله صامتًا، لا راضٍ ولا غاضب، ينتظر تلك الفرصة التي تجعل من دقاته ثمينة لا مثيل لها.
تعرفتُ خلال الخمسين عامًا من عمري على أوجه كثيرة للحفاظ على طمأنينة النفس، وتأكدتُ من أن الكلمة التي تؤذي الآخرين تؤذيني، وتجعل من السوء سكنًا في قلبي، وأن الابتسامة الهادئة تعبر المحيطات، وتنشر البهجة والسرور على كل القلوب.
أصبحت على يقين أن هناك حلاوة في الخمسين عامًا التي أمر بها. فما برقت سمرة بشرتي إلا في عمري هذا، وما انجذب أحدهم لابتسامة غمازتي إلا والخمسون تدق أجراسها على وجهي، وصوتي العميق المميز عند أحدهم لم أفطن له إلا وأنا أحسب الخمسين من تاريخ ميلادي، وما تمايلت قامتي، رغم قصرها، إلا وقد بلغتُ من عمر أيامي ما يجعلني تلك الأنثى الهادئة بعقلها، وقلبها، وجسدها.
أستغرب من جسدي وهو يحمل على كتفيه سن الخمسين. أكاد أطير من هرولتي، وبشاشة غريبة تسكن ملامحي، ونشاط مريب يتخلل خلايا دمي، وأشعر أنني الآن فقط ملكتُ نفسي. عيناي لي، وقلبي لي، وحواسي لي، حتى الهواء الذي يتجول من حولي لي. هو إذًا سن المحافظة على الملكية الجسدية والروحية بالتأكيد.
هذه أنا ذات الخمسين عامًا، التي تستنجد بأيام عمري الماضية لتعود لي، وأحلم أن أمتلك خلالها ما يتملكني الآن من رضا، وهدوء، وسكينة، وصفاء ذهن. أم كان لا بد لي أن أشهد كل تلك اللحظات المؤلمة التي صنعت مني من هي ذات الخمسين عامًا؟
الخمسون ربيعًا هي من أخبرتني أن أكتفي بنفسي، وأتجهز بدفاعاتي عندما تأتيني الحرب بغتة، وأحارب في معاركي الخاصة فقط، ولا أتدخل في شؤون الغير، وأستبق الخير، وأحسن الظن في كل الأحوال، وأترك الأمر برمته إذا أخبرتني حاستي السادسة أن لا خير في ذاك التناجي.
هل سيتوقف قلبي عن الحب وأنا في الخمسين؟ لا أعتقد، فما زلتُ تلك الأنثى التي ترغب، وبشدة، أن تُحَبَّ وتُحِبَّ. ما زلت أحمل بين أضلعي دفء الخلجات، وعاطفة متقدة، متحضرة، لأن تُعطي مشاعرها لرجل يعرف كيف ينظر إليَّ بحب. ولكن هذه المرة، التي أؤمن بأنها الفرصة الأخيرة والخالدة، سأحب بحرص، وهدوء، وسكينة، وبوله ناضج، عاقل، هادئ، ابتدأتُ بها أن أحب نفسي، وسيشعر هو من بعدها مقدار حبي له.
الخمسينية التي بداخلي تستغرب كيف كنتُ شديدة الانفعال، سريعة الغضب، سيئة الظن، تبحث عن أتفه الأسباب لتثير حنقها، وترمي بشرر على كل من يتجاوز حدوده. وما أراه الآن في مرآتي مختلف، ومتشابه في آن واحد. فالأنثى التي ما زالت ترد، ولا تسكت عن حقها، موجودة، لم تختفِ، ولكنها حذرة، تشاكس بخفة، أُظهر فيها عدة مشاعر، يفهمها من هو ذو عقلية ناضجة، وأفق واسع، ألا تتعدى حدودك معي. أتلطف بأجوبة حذرة، للحد الذي يجعلك تخجل من أن تخطئ، وأتفنن في المشاكسة، بعينين لامعتين، وغمازتين تطلقان أسهم الهدوء، والحذر، والسكينة، والطمأنينة، كل هذا في آن واحد.
بالتأكيد هذا وقت الاتزان، وهدوء النفس، واطمئنان الروح، والتخلص من كل ما يشوه الخاطر. يكفيني ما مر عليَّ من خربشات متعبة على جدار عمري. هذا هو الوقت الذي يجب أن أكون فيه الأنثى الصادقة، الصامدة، الصابرة، الصالحة، المتصالحة مع سنوات عمري الخمسين، لأحافظ على ما تبقى مني لأيامي المقبلة.
