فوهة الفهم الملتهبة

 

 

ماجد بن علي الهادي

(كنتُ أحسب أنَّ الشمس تبتسم لي، ولكنها في الحقيقة كانت تبتسم للجميع).

أراني وأنا ألج تلك الفوهة العميقة من الفهم، بأنني مسترسل في تفنيد ما يقبله العقل وما لا يستسيغه. أراني وأنا أفتش عن مفاهيم وتعاريف للتفكير، بأنني في سلسلة من النشاطات العقلية، سلسلة تُطبق على منافذ ومخارج المعلومات والبيانات التي كنت يومًا أستقبلها وأتعامل معها، تلك التي ترعرعت معها تحت ظل بيئتي المؤثرة في أفعالي وتصرفاتي. أراني في دماغي وهو يتعرض لمثير داخلي أو خارجي، ويقولبني في دائرة لا تنتهي.. دائرة محورها التأمل، وارتكازها التدقيق، ومحيطها الدهشة. كل ذلك يحدث لي وأنا في انتباهة الغفلة وصحو التركيز.

هذا عقلي أم هو المحيط التقديري للعالم وانعكاساته؟ هذا نمط تفكيري أم هو بحر البيانات التي تقيأتها العقول الأخرى؟ أيًّا كانت الحقيقة، فالعيش في بطون سحب التفكير لا مراء منه ولا فرار. ستفكر، يعني ستفكر، وستتأمل، يعني ستتأمل، فأنت تتنفس من رئة الواقع، وتشهق وتزفر من قلب الأحداث.

كيف لك الخلاص من محاور وأنماط الحياة وأنت تعيشها منذ كنت جنينًا في بطن أمك؟ كيف لك أن تتهرب من هوية وبصمة تعنونت باسمك، وتصورت بملامحك؟ لا يمكنك ذلك، لأنك أحد أهداف وحكمة الحياة. هذه الحياة التي تتساءل: كيف هي وأنا لا أعيها؟

الشمس تشرق وتغرب، وأنت لا تملك إلا أن تتأملها فحسب. الليل يرخي ستائره ويشدها، وعيناك تتسلقان أكتافها ولا ترميان بشيء. الوقت ينحر الواقع، وروحك تهرول خلف الظلال التي لا شمس لها. كل يمضي في طريقه، منهم من يمتطي أعباءه، ومنهم من تمتطيه إرهاصاته، وأنت لا مع هؤلاء ولا مع أولئك.

ديمومة غريبة، واستمرارية عجيبة تلوكها الأيام، وتضرسها الليالي بأسنان وحشية لا تعرف الرحمة أو الرأفة، بينما عقلك ما زال يفكر ويفكر ويفكر. هل يلاحظني أحد وأنا أترنح في مسيري من ثقل التفكير؟ هل تحدق بي الأنظار وأنا أكلم الشارع والبحر والسماء؟ أم إن أوهامي تختبرني وتستنزفني، لا لشيء، وإنما لأنني تجرأت على التفكير بعقل عميق؟

أسئلة تحاكي واقعي، والذي هو واقع عقل تاه في صحراء العلم والمعرفة. الحياة لا تجبر أي عقل على الغوص في أعماق التفكير، ولا تلزم أي فهم ليفهم ما وراء الستائر العلمية. إنها فقط تتمرأى أمام ناظريك بحلتها البهية، وتتزخرف فوق رموش عينيك لترسم لوحتها الجميلة. أنت من يطلق العنان الفكري في المقبول واللامقبول، وأنت من تجرأت على هتك عوالم لم يكن ينبغي لك أن تقترب منها. فقط تأملها، وبادلها الابتسام إن سمحت لك بذلك، لكن إياك والجرأة الشرسة، فتبعاتها لا تحتمل، وعواقبها لا تغتفر، ونهاياتها وخيمة.

أراني وأنا ألج تلك الفوهة العميقة من اللافهم، بأنني مسترسل في فوضى ما يقبله العقل، وما لا يستسيغه، وما لا يفهمه. أراني وأنا أتبختر بخيلاء العلم، وقد خدعتني حواسي وأوهمتني بأنني أعيش في غمار سباق الإبداع. والحقيقة غير ذلك، فالواقع يصرخ في وجهي بأعلى صوته: استيقظ أيها العنجهي.. أفق من غفوتك وأوهامك وخيالاتك الواسعة الغريبة العجيبة.

فلن ينفعك كل ذلك الغوص، وأنت لا تملك المجاديف المناسبة للإبحار. ولا تنفعك نظرتك البعيدة المدى، والغشاوة متلحفة وساكنة فوق عينيك. فلا تقل: أنا الفهيم، وفهمك لا يعدو أن يكون ريشة تتلاعب بها رياح الحقيقة، ولا تقل: أنا المغوار الذكي الذي ينتصر في كل معارك الاصطدام الفكري والعقلي. فأنت ذرة يراها الكون لا شيء، وهو يحتضن مليارات القمم المعرفية والعلمية والفكرية.

لا أحد يركز عليك أيها الوهم، ولا أحد يهتم بما غارق فيه عقلك ومتورط في ثناياه. هذه الحقيقة، تقبلتها أم رفضتها، وهذا الواقع، شئت به أم لم تشأ.

الشمس تشرق وتغرب، وأنت لا تملك إلا أن تتأملها فحسب. الليل يرخي ستائره ويشدها، وعيناك تتسلقان أكتافها ولا ترميان بشيء. ديمومة حياتية مؤقتة ودائمة، واستمرارية واقعية كتبها الزمن بحبر سري لا يقبل المحو ولا التزوير، واكتمال طبيعي منهجته الأيام بزمنها المنقوش في معادلات الحياة التي لا تقبل القسمة على اثنين.

فعليك أن تكيف عقلك وتفكيرك وفق هذا النمط العادل، ولا تحِد عنه أبدًا. وعليك الإيمان الصادق بأن ليس بالضرورة من يمشي وراءك يتبعك، وليس كل من يراك يلمحك، وليس كل من تراه يبتسم يبتسم لك. قد يكون هناك من يمشي بجانبك، فتريث، ولا تتسرع بردة فعلك، ولا تستبق الفعل إلا إذا كنت متيقنًا من نتائجه لصالح الجميع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z