د. إبراهيم بن سالم السيابي
في زمنٍ مضى، حين كانت الحياة أبسط في ظاهرها وأقسى في حقيقتها، رحلت أمٌّ عن طفلين صغيرين، وتركتهما يواجهان بيتًا فقد دفأه، ودنيا لا ترحم الضعفاء. لم يكن التعليم في ذلك الوقت يتجاوز مدارس القرآن، التي تقوم على ما يشبه حلقات الكتاتيب، يتعلم فيها الصغار القراءة والكتابة وشيئًا من القرآن والسنة، ثم يخرجون إلى الحياة مبكرًا، محمّلين بما يكفي ليبدأوا الطريق، لا ليكملوه.
نشأ الطفلان في بيتٍ صار أثقل عليهما من أن يحتضنهما، وكانت زوجة الأب تزيد من قسوة الأيام، حتى بات الصمت هو اللغة الغالبة في أركانه. ومع ذلك، تفرّقت بهما الحياة إلى طريقين مختلفين منذ وقت مبكر.
خرج الابن الأكبر إلى ورشة حدادة في القرية، يتعلم صنعة الحديد ويكسب قوت يومه بعرق جبينه، يحمل في ملامحه هدوءًا لا يخلو من طيبة. أما أخوه الأصغر، فبقي في البيت يواجه الجفاء وحده، حتى تركت قسوة الأيام أثرها في قلبه، فاشتدّ طبعه، وكأن الظروف أرادته أن يكون على هذا النحو.
وفي طريقه اليومي إلى الورشة، كان الأخ الأكبر يمر بسوق القرية، وهناك لفتت انتباهه امرأة مسنّة، ضعيفة البصر، تتكئ على عصا، وتصطدم بالمارة أحيانًا وهي تحاول قضاء حاجاتها وحدها. كانت تعيش وحيدة، لا سند لها إلا بعض الجيران الذين يمرّون عليها بما تيسر، فيما تقضي أيامها على ما تبقى لها من مال شحيح.
لم يكن المشهد في بدايته أكثر من موقف عابر، لكنه تغيّر منذ اللحظة التي اقترب فيها منها وساعدها في حمل حاجاتها إلى منزلها. ومنذ ذلك اليوم، صار يمر عليها بين حين وآخر؛ يقضي حاجاتها، ويحمل عنها أثقالها، ويجلب لها ما تحتاجه من السوق، وأحيانًا يجلس قليلًا ليكسر صمت وحدتها الطويل.
لم يكن في الأمر حسابات ربح أو خسارة، ولا انتظارًا لرد جميل، بل شيء أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه؛ شعور إنساني خالص بدأ ينعكس على ملامحه وطمأنينة قلبه، وكأن في العطاء بابًا خفيًا للسكينة لا يدركه إلا من جرّبه.
وكان أخوه الأصغر يراقب هذا التغيّر بدهشة لا تخلو من لوم، ويرى أن ما يفعله أخوه لا معنى له، وأن الأولى أن يدّخر ماله وجهده لنفسه. لكن الأخ الأكبر كان يمضي في طريقه دون اكتراث، وكأن ضميره يهديه إلى ما هو أبعد من حسابات الربح والخسارة.
ولم يكن يدري أن الأيام كانت تخبئ له رحلة أقصر مما ظن، إذ باغته مرض عابر لم يمهله طويلًا، فرحل تاركًا وراءه فراغًا ثقيلًا وصمتًا مختلفًا. كانت وفاته صدمة لأهله، لكنها كانت أشد وقعًا على تلك العجوز التي فقدت في رحيله أنيس وحدتها الوحيد، فبكته كما تبكي الأم أحد أبنائها.
بعد رحيله، بدأ الأخ الأصغر يعيش مع سؤال لم يعرفه من قبل: ما الذي كان يجعل أخاه مطمئنًا رغم قسوة حياته؟ لم يجد جوابًا في المال، ولا في القوة، ولا في الشكوى، فدفعه فضوله إلى أن يسلك الطريق نفسه، ولو على استحياء.
ذهب إلى العجوز يحمل بعض الطعام، واستقبلته بوجه هادئ لا يحمل عتابًا ولا أحكامًا، بل امتنانًا صامتًا. ترددت زياراته في البداية، ثم أخذت تتقارب شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت جزءًا من يومه. ولم يكن يدرك أن الذي يتغير لم يكن حياة العجوز وحدها، بل حياته هو أيضًا. فقد بدأت القسوة التي سكنت قلبه تذوب بهدوء، وحل محلها شعور بالرضا لم يعرفه من قبل، فعاد إلى ورشة الحدادة، وتعلّم الصنعة بإخلاص، وبدأ يشق طريقه في الحياة بثقة جديدة.
ومرت الأيام، ثم رحلت العجوز بهدوء، كما عاشت وحدتها بصبر طويل. لكن رحيلها لم يكن نهاية الحكاية؛ إذ جاءه أحد جيرانها يحمل وصيتها، فقد أوصت ببيتها له تقديرًا لوفائه ورعايته لها. ولعل أعظم ما كسبه يومها لم يكن ذلك البيت، بل القلب الذي تبدّل، والنفس التي استعادت معناها، أما البيت فلم يكن إلا ثمرة متأخرة لشجرةٍ زرعها أخوه يوم اختار طريق الإحسان.
باع البيت، واشترى ورشة حدادة، ثم تزوج، واستقرت حياته بعد ذلك. ولم تكن الوصية مجرد ميراث، بل رسالة صامتة تؤكد أن الخير الذي يظنه الناس يضيع، يبقى محفوظًا في موضع لا يعلمونه، ثم يعود في الوقت الذي يختاره الله، لا في الوقت الذي ينتظره الإنسان.
وفي النهاية، لم يكن البيت هو أعظم ما ورثه ذلك الشاب، بل التحول العميق الذي غيّر قلبه ونظرته إلى الحياة. لقد علّمته الأيام أن المعروف لا يُقاس بما يعود منه من منفعة، وإنما بما يتركه من أثر في النفس. فالخير الحقيقي لا يغيّر حياة الآخرين فحسب، بل يغيّر صاحبه أولًا، ويمنحه سلامًا لا يُشترى، ومعنى لا يُقتنى.
وفي زمنٍ غلبت فيه لغة المصلحة، وأصبح كثيرون يقيسون الأعمال بما يعود عليهم منها من مكاسب، يبقى الإحسان قيمة لا صفقة. وما نزرعه بإخلاص قد لا نرى ثماره اليوم، وربما لا نراها غدًا، لكنه يبقى محفوظًا عند الله، ويعود إلينا في صورة طمأنينة، أو باب خير، أو أثر طيب يمتد إلى أبنائنا، بل إلى من نحب من بعدهم.
مسك الختام: إن الخير قد يتأخر... لكنه لا يضيع أبدًا.
