صالح بن ناصر القاسمي
على مدار الأشهر الماضية، تابع العالم ما شهدته المنطقة من أحداث، وحرب دارت رحاها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، وهي منطقة الخليج العربي، التي تمثل شريانًا حيويًا لحركة التجارة والاقتصاد العالمي. ولسنا هنا بصدد الحديث عن الرابح والخاسر، أو تقييم نتائج تلك الحرب من منظور سياسي أو عسكري، وإنما نقف أمامها وقفة تأمل؛ لأن الأحداث الكبرى لا تترك آثارها في الحاضر فحسب، بل تكشف عن سنوات طويلة من العمل والبناء والتخطيط.
فما نراه اليوم ليس وليد لحظة، ولا هو نتيجة قرارات اتُّخذت في أيام أو أشهر، وإنما هو حصيلة عقود من بناء الدولة، وتطوير مؤسساتها، والاستثمار في الإنسان، وصناعة القدرات. ولذلك، فإن قراءة ما يحدث في إيران يجب ألا تقتصر على مشاهد الحرب، بل تمتد إلى ما قبلها، لفهم الأسباب التي أوصلت الدولة إلى ما هي عليه اليوم.
ومن المعروف أن إيران وريثة حضارة عريقة، هي الحضارة الفارسية، التي امتد أثرها قرونًا طويلة قبل ظهور الإسلام، وقد تركت بصماتها في الإدارة والعمران والعلوم والثقافة. وبعد أن دخل الإسلام إلى بلاد فارس، لم تنقطع تلك المسيرة، بل أصبحت تلك الطاقات جزءًا من الحضارة الإسلامية، وأسهم علماء فارس في بناء صرحها العلمي والفكري، وبرز منهم علماء في الطب والرياضيات والفلك واللغة والفقه والفلسفة، ولا تزال مؤلفات عدد منهم تُدرَّس ويُرجع إليها حتى يومنا هذا، الأمر الذي يؤكد أن الأمم التي تجعل العلم أساس نهضتها تبقى آثارها حاضرة عبر الزمن.
كما أن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أن العنصر الفارسي كان حاضرًا بقوة في إدارة الدولة الإسلامية، ولا سيما في العصر العباسي، حيث تولى كثير من رجالاته مسؤوليات إدارية وعلمية أسهمت في تطوير دواوين الدولة وتنظيم شؤونها، مستفيدين مما امتلكوه من خبرة متراكمة في الإدارة والتنظيم، حتى أصبحوا جزءًا من النهضة التي شهدها العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
ومع تغير الأزمنة وتعاقب الدول، ومرور المنطقة بمرحلة الاستعمار وما خلفه من حدود جديدة وكيانات سياسية مختلفة، ظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورتها الحالية، وبدأت في بناء مؤسساتها وفق رؤيتها الخاصة، واضعة نصب عينيها تحقيق قدر كبير من الاعتماد على الذات في مختلف المجالات.
وقد يختلف الناس كثيرًا حول سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، داخليًا وخارجيًا، وهذا أمر طبيعي، إلا أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يمنع من قراءة التجارب الناجحة والاستفادة منها. فمن الإنصاف أن نعترف بأن إيران أولت اهتمامًا كبيرًا ببناء قدراتها الوطنية، وعملت على تطوير صناعاتها، والارتقاء بقطاعها العلمي، وتوسيع قاعدة الإنتاج في مجالات متعددة، حتى أصبحت قادرة على مواجهة سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الخارجية دون أن تنهار مؤسساتها أو تتوقف عجلة الدولة.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو الإيمان بأهمية الاعتماد على النفس. فالدولة التي تنتج غذاءها، وتسعى إلى تصنيع دوائها، وتستثمر في البحث العلمي، وتعمل على تطوير صناعاتها، تكون أكثر قدرة على المحافظة على استقلال قرارها، وأقل عرضة للتأثر بما يدور حولها. وهذا ليس درسًا يخص إيران وحدها، بل هو مبدأ يصلح لكل دولة تبحث عن مستقبل أكثر استقرارًا؛ لأن الأمم لا تُبنى بالاستهلاك، وإنما بالإنتاج، ولا تحقق أمنها بالاعتماد على الآخرين، وإنما بما تملكه من قدرات وإمكانات وطنية.
كما أظهرت الأحداث الأخيرة أن قوة الدول لا تكمن في امتلاك السلاح وحده، وإنما في قوة مؤسساتها، وقدرتها على الاستمرار، ووجود كوادر مؤهلة تستطيع إدارة الدولة في مختلف الظروف. فالدول التي تبني مؤسساتها على أسس راسخة لا ترتبط بقائد واحد أو مسؤول بعينه، وإنما تقوم على منظومة عمل متكاملة قادرة على مواصلة أداء دورها مهما كانت التحديات.
ومن الأمور التي تستحق الوقوف عندها كذلك، أن نهاية التصعيد كانت بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقد يختلف المحللون في تفسير أسباب ذلك، فهناك من يرى أنه جاء نتيجة توازن القوى، وهناك من يعتبره خطوة تكتيكية من أحد الأطراف، إلا أن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن الحوار يظل الخيار الذي تعود إليه الدول مهما بلغت حدة الخلافات. فالقوة لا تعني إلغاء الحوار، كما أن الحوار لا يعني غياب القوة، وإنما لكل مرحلة أدواتها، ولكل ظرف حساباته.
ومن الدروس التي يمكن استخلاصها أيضًا أن بناء الإنسان يظل الأساس الذي تقوم عليه كل نهضة. فالمصانع يمكن إنشاؤها، والمباني يمكن تشييدها، أما الإنسان الواعي القادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية، فهو الثروة الحقيقية التي تبقى للأوطان. ولذلك، فإن الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، وإعداد القيادات، ورعاية الكفاءات الوطنية، هو الطريق الذي يضمن للدول الاستمرار مهما تبدلت الظروف.
وإذا كنا ندعو إلى الاستفادة من التجارب الناجحة، فإن ذلك لا يعني الموافقة على كل السياسات أو المواقف التي تتخذها تلك الدول. فالقراءة الواعية تقوم على التمييز بين ما يستحق الاستفادة منه، وما ينبغي تجنبه، وهذه هي الطريقة التي تقدمت بها الأمم عبر التاريخ؛ إذ أخذت من غيرها أسباب القوة، واحتفظت في الوقت نفسه بثوابتها وقيمها ومبادئها. وفي الوقت الذي ندعو فيه إلى قراءة التجارب الناجحة والاستفادة منها، فإن ذلك لا يعني إغفال الأخطاء أو الصمت عن الممارسات التي تمس سيادة الدول أو تتعارض مع قواعد القانون الدولي. فالنجاح في جانب لا يمنح حصانة من النقد في جانب آخر، والإنصاف يقتضي أن يُقال للمحسن: أحسنت، وللمخطئ: أخطأت.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن ما تعرضت له سلطنة عُمان مؤخرًا من اعتداءات أمر مرفوض وغير مبرر، ولا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال؛ لأنه يمثل مساسًا بسيادة الدولة، ويتعارض مع مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وأحكام القانون الدولي. وقد جاء الموقف الرسمي لسلطنة عُمان واضحًا في هذا الشأن، عندما أكدت وزارة الخارجية رفضها لهذه الاعتداءات، واستدعت السفير الإيراني، وسلَّمته مذكرة احتجاج، تأكيدًا على موقف السلطنة الثابت في حماية سيادتها والدفاع عن مصالحها، مع استمرارها في نهجها المعروف القائم على الحوار، واحترام القانون الدولي، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.
وخلاصة القول، أن الأحداث التي مرت بها المنطقة يجب ألا تُقرأ من زاوية الحرب وحدها، وإنما من زاوية ما سبقها من سنوات البناء والإعداد. فالدول التي تفكر في المستقبل لا تنتظر الأزمات حتى تبدأ العمل، وإنما تعمل في أوقات الاستقرار، وتبني الإنسان قبل أن تبني المصانع، وتؤسس المؤسسات قبل أن تواجه التحديات، وتغرس ثقافة الاعتماد على الذات قبل أن تضطر إليها. وهذه هي الدروس التي تستحق أن نتوقف عندها، وأن نستفيد منها؛ لأنها لا تخص دولة بعينها، بل تمثل قواعد عامة لكل أمة تسعى إلى بناء مستقبلها بثقة واقتدار.
