عُمان بأربعة فصول

 

 

مدرين المكتومية

تخيل معي أنك تعيش في بلد استثنائي، بلد مميز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ورائع بكل تفاصيله التي قد تدهش الزائر قبل المقيم، بلد مميز بكل ما يمتلكه من مقومات مختلفة، فتخيل لو أنك ذات ليلة كنت مدعوًا على مائدة طعام تجتمع فيها الفصول الأربعة، فيقول الشتاء فيها: أنا من يوقظ برد حنين القلوب، ويرد الصيف: أنا سيد الشمس والدفء، في حين يتحدث الربيع قائلًا: أنا من يلون الحياة لكم، أما الخريف، وبعد صمت طويل، فيشير إلى "سلطنة عمان"، حيث ينتهى الجدل ويتوقف الحديث.

فكما نعلم جميعًا أن الأوطان لا تُقاس بحجمها ومساحتها، ولا تُقاس أيضًا بعدد من يعيشون عليها من البشر، ولا بما تمتلكه من ثروات ومخزون، بقدر ما تُقاس بما يستشعره الناس فيها، أو ما تمنحه لهم على مد البصر، وعُمان الحبيبة واحدة من هذه الأوطان المميزة، فكلما أوجه بصري نحو الخريطة أدرك تمامًا أن الله منحها جغرافيا مختلفة، ووضع عليها شيئًا من كرمه، فأعطاها جبالًا تعانق السماء، وبحرًا جميلًا يعشقه من ينظر إليه، وأودية ذات ممرات بديعة، وصحراء تتلألأ كالذهب، وأعطى لجنوبها فصلًا خريفيًا لا يعرف درجات الحرارة المرتفعة.

عُمان واجهة التنوع السياحي ووجهة المغامرات والاكتشاف، هي التنوع الحقيقي لكل من يبحث عن شغفه، تتباين فيها الحياة، فلكل شخص شيء منها، وهي أيضًا لديها القدرة على أن تمنح الآخرين أشياء جديدة، هي السياحة الحقيقية التي يقصدها الناس من كل العالم، تناسب مختلف الأذواق وتلبي الرغبات.

فبينما يشاهد العالم نشرات وحالات الطقس، مترقبين موجات الحرارة الشديدة، تكون محافظة صلالة قد بدأت حكايتها مع الخريف، وقد كساها الله من خيراته، وتلوّنت جبالها وأراضيها بالبساط الأخضر، فلا تتغير فقط ملامح الأرض، لكن تتغير معها درجات الحرارة، ففي الوقت الذي تعيش فيه معظم الدول ارتفاع درجات الحرارة، تعتدل في صلالة درجات الحرارة، وتهبط السحب لتلامس أكتاف الجبال، ويتساقط الرذاذ دون توقف، وتجري المياه والعيون، وكأنها تعلن ميلاد موسم جديد للحياة.

وفي الجانب الآخر يقف الجبل الأخضر كحديقة معلقة مليئة بخيرات الله وعطاياه، ليكون شاهدًا على الجمال من العلو، وعلى القدرة البشرية في صناعة وتنظيم هذا الجبل، ليكون ليس مكانًا للسكن فقط والزرع، بل ليكون أحد أهم المواقع السياحية التي يتوجه إليها السائح بصورة أولية ودائمة، ويشارك سكانه مواسم حصاد الفواكه والثمار التي يتميز بها عن غيره، وليس هذا فقط، فبينما يتوجه الناس إلى الجبل الأخضر، نجد جبل شمس قد تشكل كما يشكل الفنان لوحته الخاصة، ببياض قممه، ونسمات الهواء البارد التي تتحول في الشتاء إلى صقيع جاف، وكذلك الحال مع خلجان مسندم، التي هي آية من الجمال الخلاب، لتقوم بمشاهدة الدلافين وهي تقفز في لوحة سينمائية رائعة.

ولأننا نعيش في عالم يتغير فيه كل شيء مع الوقت، وتتغير المفاهيم، كذلك الحال، تتغير أيضًا معنى السياحة لدى الناس، فلم يعد السائح يبحث فقط عن فندق فاخر وبإطلالة معينة، وبشكل يتناسب مع مستواه المعيشي، بقدر ما يبحث فيها عن قصة يعود بها إلى موطنه، قصد أن يسردها للناس، يريد أن يشعر وكأنه عاش شيئًا لا يمكن تكراره، ولا يمكن شراؤه أو الحصول على تلك التجربة في مكان آخر، وهنا تكمن ميزة "عُمان الكبرى"، فهي لا تبيع مشهدًا طبيعيًا وحسب، بل تقدم تجربة متكاملة وفريدة من نوعها، ولا تقدم موقعًا معينًا تلتقط منه صورة، بقدر ما تمنحك وطنًا تكتشفه خطوة بخطوة، وكما يقول لي جميع الأصدقاء من خارج عُمان عندما يقصدونها: "عُمان دائمًا مخلصة لشخصيتها، لم تكن كغيرها متشابهة، لا يزال فيها شيء غريب يدفعنا للعودة من جديد، لا تزال تلفت النظر بهدوئها، ولم تغير ملامحها لتتشابه مع غيرها، وهو سر جاذبيتها، إنها مميزة".

فالسياحة، كما نعلم جميعًا، ليست قطاعًا اقتصاديًا فقط، وإن كان كذلك، إلا أنها ليست أرقامًا تُسجل في نهاية الموسم، حتى وإن كانت مهمة بالطبع، لكن السياحة، قبل كل ذلك، هي رسالة حضارية بكل المقاييس، تعبر عن مجتمع بأكمله قبل كل شيء، وهي صناعة الانطباع، وهي جسر يعبر من خلاله العالم للتعرف على ثقافة الشعوب وتاريخها التليد، لهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه أي دولة على أخرى، قبل بناء الحجر، هو صناعة الحكاية، والحكايات، كما نعلم، لا تُختلق، وإنما تُكتشف، وعُمان مليئة بالحكايات، ففي كل جبل ووادٍ وممر حكاية وقصيدة، وفي كل قلعة وحصن وبقايا بيوت حجرية قديمة تاريخ، وفي كل مساحة أرض وقرية سكان يستقبلون الضيوف بابتسامة وترحيب، ومع كل موجة من أمواج البحر هناك رحلة من الحنين.

 

الأكثر قراءة

z