الذاكرة المؤسسية الوطنية: مقترح لتوظيف الخبرات العمانية المتقاعدة

 

 

ظافر الشنفري

تمثل الخبرات الوطنية المتراكمة أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها الدول، إذ تتشكل عبر عقود من العمل والممارسة والتجربة في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والأكاديمية والعسكرية. ومع تقاعد القيادات والخبراء، تواجه المؤسسات تحديًا يتمثل في فقدان جزء من المعرفة الضمنية والذاكرة المؤسسية التي يصعب توثيقها أو تعويضها بسهولة. ومن هنا برزت العديد من التجارب الدولية التي سعت إلى تحويل التقاعد من نهاية لمسيرة العطاء إلى مرحلة جديدة من المساهمة الوطنية.

وتعد التجربة الهولندية من أبرز النماذج العالمية في هذا المجال من خلال برنامج الخبراء الهولنديين المتقاعدين (PUM Netherlands Senior Experts)، الذي نجح في بناء شبكة واسعة من الخبراء التنفيذيين والفنيين وأصحاب التجارب المتخصصة، وإتاحة الاستفادة من خبراتهم لدعم المؤسسات والشركات والمشروعات التنموية. وقد أثبت هذا النموذج أن المعرفة والخبرة المتراكمة يمكن أن تستمر في خدمة التنمية الوطنية حتى بعد انتهاء الخدمة الرسمية، من خلال الإرشاد والتوجيه والاستشارات ونقل المعرفة.

وفي سلطنة عُمان، تمتلك الدولة رصيدًا كبيرًا من الكفاءات الوطنية التي شغلت مواقع قيادية ومهنية رفيعة على مدى العقود الماضية، تشمل الوزراء ووكلاء الوزارات والرؤساء التنفيذيين والقادة العسكريين والأكاديميين والقضاة والخبراء الفنيين والمتخصصين في مختلف المجالات. وتمثل هذه الخبرات ثروة وطنية كبيرة يمكن أن تسهم بصورة فعالة في دعم التنمية وتعزيز الأداء المؤسسي إذا ما تم تنظيم الاستفادة منها ضمن إطار وطني واضح.

ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة إنشاء "البرنامج الوطني للخبراء العمانيين"، ليكون منصة وطنية تجمع الخبرات المتقاعدة وتربطها باحتياجات المؤسسات الحكومية والخاصة ومشروعات التنمية الوطنية. ويهدف البرنامج إلى المحافظة على المعرفة الوطنية المتراكمة، وتعزيز نقل الخبرات بين الأجيال، ودعم بناء القيادات الشابة، والاستفادة من الخبرات المتخصصة في معالجة التحديات الاستراتيجية وتطوير السياسات والمشروعات الوطنية.

ويقوم البرنامج على إنشاء سجل وطني للخبراء يضم قاعدة بيانات شاملة للكوادر الوطنية المتقاعدة، مع تصنيفهم وفق تخصصاتهم وقطاعات عملهم وخبراتهم ومجالات اهتمامهم واستعدادهم للمشاركة. ويساعد هذا السجل على تسهيل الوصول إلى الخبرات المناسبة وتوجيهها نحو الاحتياجات الفعلية للمؤسسات.

كما يتطلب البرنامج وجود جهة وطنية تتولى إدارته والإشراف عليه، ويمكن أن تكون تحت مظلة الأكاديمية السلطانية للإدارة أو أي جهة وطنية مناسبة. وتتولى هذه الجهة إدارة قاعدة البيانات، واستقبال طلبات الاستفادة من الخبراء، ومواءمة الخبرات مع الاحتياجات المطلوبة، ومتابعة تنفيذ المهام وقياس أثرها، وإعداد التقارير الدورية الخاصة بالبرنامج.

ويمكن الاستفادة من الخبراء المتقاعدين في العديد من المجالات، من أبرزها الإرشاد والتوجيه للقيادات الحكومية الشابة، والمشاركة في مراجعة البرامج والمشروعات الوطنية الكبرى، والانضمام إلى فرق العمل الوطنية المتخصصة، وتقديم الاستشارات الفنية والاستراتيجية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمساهمة في توثيق المعرفة المؤسسية ونقلها، إضافة إلى المشاركة في البرامج التدريبية وبرامج إعداد القيادات.

وتقوم آلية العمل على تقدم الجهات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص بطلب الاستفادة من خبرة معينة، لتقوم إدارة البرنامج بترشيح الخبير المناسب وفق طبيعة المهمة. ويتم التكليف لفترة زمنية محددة أو لإنجاز مهمة معينة، مع متابعة المخرجات وقياس القيمة المضافة والأثر المتحقق من المشاركة.

أما من حيث التمويل، فإن التجارب الدولية تؤكد أن مثل هذه البرامج لا تتطلب استثمارات مالية كبيرة. ففي كثير من التجارب يشارك الخبراء بصورة تطوعية أو بمكافآت رمزية. ويمكن اعتماد نموذج تمويل مختلط يجمع بين الدعم الحكومي الأساسي لتغطية تكاليف الإدارة والتشغيل والبنية التقنية، وبين مساهمة الجهات المستفيدة برسوم رمزية أو محددة مقابل الخدمات الاستشارية المتخصصة، إلى جانب إمكانية إشراك القطاع الخاص في دعم المبادرات والبرامج المرتبطة بنقل المعرفة وبناء القدرات.

إن إنشاء برنامج وطني للخبراء العمانيين لا يمثل مجرد مبادرة إدارية، بل يعد استثمارًا استراتيجيًا في رأس المال المعرفي الوطني، ويعكس تقديرًا للخبرات التي أسهمت في بناء مؤسسات الدولة وتنمية الاقتصاد الوطني. كما أنه يوفر آلية مستدامة للاستفادة من المعرفة المتراكمة ونقلها إلى الأجيال القادمة، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

ومن هنا، فإن دراسة إطلاق هذا البرنامج تمثل فرصة مهمة لتحويل الخبرة الوطنية المتراكمة إلى مورد استراتيجي دائم يدعم مسيرة التنمية ويعزز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات والاستفادة من أفضل الممارسات والخبرات المتاحة داخل السلطنة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z