د. محمد بن عوض المشيخي**
أثبتت الأيام بأن تحقيق الأمن الوطني في أي بلد لا يعتمد فقط على الركون إلى القانون الدولي والالتزام بنصوصه وتطبيق بنوده؛ لكون ذلك وسيلة غير مجدية، وأكدت فشلها؛ فالسيطرة على الآخرين، خاصة الذين يمكن تصنيفهم من أصحاب النوايا الحسنة، الذين لم يأخذوا بالأسباب التي تمكنهم من حماية أنفسهم وأوطانهم، وقبل ذلك كله كراسيهم، من القوى الأجنبية والإقليمية التي نجدها اليوم تعبث بالأمن القومي الخليجي على نطاق واسع وباستمرار وبدون توقف، بهدف السيطرة والأطماع في الثروات والمساحة الجغرافية؛ إذ يتحول الجوار إلى خطر داهم على دول مجلس التعاون الخليجي، التي بالفعل لم توفق في اتفاقياتها وترتيباتها الأمنية مع الحلفاء الغربيين، فالقواعد الأمريكية والفرنسية والبريطانية أصبحت تشكل أعباء كبيرة على الدول الخليجية التي تقع في الضفة الغربية والجنوبية للخليج العربي.
صحيحٌ أن معظم هذه الدول لم تنجر إلى الحرب التي قادتها أمريكا وإسرائيل في فبراير الماضي على إيران؛ بل نددت بذلك العدوان غير المبرر، وأكدت على الدوام خيار المفاوضات والحوار بين الأطراف لحل الخلافات العالقة، على الرغم من تعرضها للاستهداف واكتوائها بنار الحرب؛ فكان هناك موقف واضح وصريح من سلطنة عُمان والسعودية وقطر والكويت بأن هذه الحرب (ليست حربنا)، بل أصبحت المنطقة وقودها بدون مبرر، ولشعوبها المسالمة.
لا شك أن إيران نجحت في استخدام ورقة مضيق هرمز خلال حرب الـ38 يومًا؛ إذ هناك من يرفع سقف إغلاق المضيق بالكامل أمام الملاحة الدولية، ويطلق عليه مجازًا "السلاح النووي الإيراني الفتاك" الذي أجبر أمريكا على وقف الحرب، ثم المفاوضات التي تكللت بتوقيع مذكرة التفاهم التي كانت معظم بنودها لصالح إيران. وعلى الرغم من ذلك، كانت تصرفات بعض الأطراف الإيرانية، خاصة من يمكن وصفهم بالمحافظين، غير موفقة، وتكرس السيطرة الدولية على المضيق؛ وذلك من خلال هجومها على السفن العابرة في المياه الإقليمية العُمانية، الذي تم استحداث ممر مائي فيه بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، فإيران تدرك جيدًا، في الوقت نفسه، حدود السيادة العُمانية في مياهها الإقليمية التي حددتها اتفاقية 1974 بين إيران وسلطنة عُمان، بحيث تم تقاسم المضيق مناصفة؛ إذ نتج عن ذلك أن يكون لكل من الدولتين 7 أميال بحرية عرضًا كمياه إقليمية، بينما يبقى الجزء الأكبر من هرمز بين الدولتين كمياه مشتركة، ولكنها أصبحت مياهًا دولية، وذلك حسب اتفاقية 1982 التي وقعت عليها كل من السلطنة وجارتها إيران في ذلك الوقت، ولكن إيران رفضت التصديق على تلك الاتفاقية عند سريانها عام 1994.
صحيح أن سلطنة عُمان وقفت مع إيران في أصعب الظروف خلال الحرب الظالمة، وذلك من خلال التنديد بالعدوان غير الشرعي وأثناء الوساطة العُمانية بينها وبين أمريكا؛ لكنها بعد انتهائها تملك الحق في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة داخل مياهها الإقليمية. يبدو لي بأن الحكومة العُمانية تأنت خلال الحرب؛ لأنها لم تكن تريد أن تتحمل وحدها مسؤولية إدارة المضيق أو أن تتحول إلى "شرطي المضيق"، كما أن هناك حجة اتخذتها إيران تتعلق بإجراءاتها في هرمز تحت مسمى تعرض أمنها القومي للخطر بسبب الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي الذي كان يستهدف تغيير النظام في طهران.
ولكن انتهاء الحرب يفتح المجال أمام مسقط لاتخاذ إجراءات ملاحية تنظم المرور في الجزء الخاص بها من المضيق. فقد كانت سلطنة عُمان، بحكم الجوار وتقاسمها المضيق مع إيران، تحرص دائمًا على التنسيق مع طهران عبر مؤسساتها الرسمية، لكن يجب أن يدرك الجميع، في الوقت نفسه، أن عُمان صاحبة القرار والكلمة الأولى في مياهها الإقليمية، ولا يمكن لإيران أو أمريكا أن تتدخل في ذلك، كما أن ما صدر عن الحرس الثوري لا ينبغي التعامل معه بوصفه موقف إيران كلها، فالمؤسسات الرسمية الإيرانية هي التي تتعامل مع العالم وتدير التفاوض مع الولايات المتحدة وغيرها.
وفي الختام؛ عبرنا غير مرة عما يحصل في منطقتنا من توترات وحروب مدمرة تشكل خطرًا وجوديًا على أمن الخليج وشعوبه، كما أن الملاحة في مضيق هرمز يجب أن تخضع للقانون الدولي بعيدًا عن فرض الرسوم؛ فعلى الإيرانيين والأمريكيين أن يحتكموا إلى ميثاق الأمم المتحدة ويرفعوا أيديهم جميعًا عن العبث بأمن مضيق هرمز، لكي يستمر تدفق الطاقة التي تشكل عصب الحياة في هذا العالم، الذي إذا استمر الوضع فيه على ما هو عليه حاليًا من معارك الكر والفر بين الطرفين، فسوف نغوص جميعًا في مستنقع الركود الاقتصادي الذي دمر الاقتصاد العالمي في النصف الأول من القرن الماضي.
**أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
