الاستثناء الوحيد

 

 

سعيد المالكي

لكل قاعدةٍ استثناء، هكذا يقولون. لكن ما يحيرني أن بعضنا اختار للمسجد أن يكون هو الاستثناء الوحيد. فالهواتف النقالة، على ما يبدو، كائنات شديدة التهذيب، لكنها تختار الأماكن التي تُظهر فيها هذا التهذيب. تلتزم الصمت في قاعات الاجتماعات، وفي المؤتمرات لا تكاد تُسمع لها همسة، وفي المؤسسات التي تمنع استخدامها، تستسلم فورًا للقوانين دون أدنى مقاومة. بل إن بعض أصحابها يضعونها على الوضع الصامت قبل أن يدخلوا المكان، وكأن الهاتف نفسه يعرف أن للمكان هيبة، وللحاضرين حقًا في الهدوء.

لكن يبدو أن هذه الأخلاق الرفيعة تتغير لدى البعض فجأة عند باب المسجد. فما إن يدخلوا المسجد، حتى يشعر بعض الناس أن كل الاتصالات أصبحت عاجلة، وأن العالم بأسره قد يتوقف إذا انتظر المتصل عشر دقائق فقط.

فيرن الهاتف، ثم تمتد اليد إليه بكل هدوء، ثم تأتي عبارة: "مرحبًا، أنا في المسجد أُصلّي". شكرًا على المعلومة. فللحظة، كدنا نظن أنك في صالة البولينج! والمضحك أن المتصل في كثير من الأحيان لا يسألك: أين أنت؟ لكن يبدو أن الإعلان عن التواجد داخل المسجد في تلك اللحظة أصبح عادةً عند البعض، رغم أنه بالإمكان الإبلاغ عن ذلك قبل الدخول إلى المسجد أو بعده.

وهنا يفرض سؤال نفسه: كيف يستطيع الإنسان أن يصمت ساعتين كاملتين في اجتماع عمل؟ وكيف ينتظر دوره في مقابلة رسمية قد تمتد ساعات؟ وكيف يلتزم التزامًا كاملًا في المؤسسات التي تمنع استخدام الهاتف؟ ثم يعجز عن تأجيل مكالمة حتى يخرج من المسجد؟ هل المسجد أقل أهمية من قاعة الاجتماعات؟ أم أن وقت الصلاة أقل قيمة من وقت العمل؟ أم أننا، دون أن نشعر، أصبحنا نمنح هيبة الأماكن بقدر ما يعود علينا منها من منفعة؟

وللتوضيح، لسنا نتحدث عن النسيان. فالنسيان وارد، وكل إنسان معرض له. فقد ينسى أحدنا تحويل الهاتف إلى الوضع الصامت، أو يغفل عن إغلاقه، أو يضطر إلى حمله معه لأنه لا يجد مكانًا آمنًا يتركه فيه خارج المسجد. هذا أمر طبيعي، ولا يكاد يسلم منه أحد. لكن الحديث عن شخص اتخذ القرار. قرر أن يجيب. وقرر أن يتحدث. وقرر أن المكالمة لا يمكن أن تنتظر حتى يغادر المسجد. وكأن عشر دقائق أصبحت زمنًا لا يُحتمل.

ولا تنتهي الحكاية عند ذلك. فبمجرد أن يُسلِّم الإمام، وكأن بعض الهواتف كانت تحبس أنفاسها طوال الصلاة، حتى يُعلن الإمام نهاية فترة الحظر. فقبل الأذكار، وقبل التسبيح، وقبل أن يغادر كثير من المصلين أماكنهم، يكون الهاتف قد سبق الجميع إلى يد صاحبه. ثم يبدأ الحديث بصوت مرتفع، وكأن المسجد قد تحول فجأة إلى مجلس عام أو صالة انتظار.

أما المشهد الذي يستحق جائزة خاصة، فهو مشهد من يقف عند باب المسجد من الداخل ممسكًا هاتفه، وقد اختار أن يجري مكالمته أو يدردش في المكان الذي يمر منه الداخلون والخارجون جميعًا. فتجد المصلين يلتفون حوله يمينًا ويسارًا، بينما هو مستغرق في حديثه، وكأن باب المسجد قد أصبح مكتبًا لخدمة العملاء. ولو كان لباب المسجد لسان لاشتكى.

وقد يقول قائل: إن بعض الناس يخرجون هواتفهم لقراءة القرآن. وهذا احتمال وارد، ولا يمكن إنكاره. غير أن المصاحف -ولله الحمد- متوفرة في معظم المساجد، وهي تؤدي الغرض بأفضل صورة، فضلًا عن أنها تُعين على تجنب كثير من المشتتات.

أما الهاتف، فلم يعد مجرد وسيلة اتصال. إنه حاسوب صغير نحمله في جيوبنا، يحمل معه الرسائل، والإشعارات، والأخبار، والصور، ومقاطع الفيديو، والتطبيقات، وكل ما يستطيع أن ينتزع الإنسان من لحظة الخشوع في ثوانٍ معدودة.

ولست أكتب هذا بصفة واعظ، ولا مفتي، ولا طالب علم. أنا مجرد إنسان يستغرب هذه المفارقة. فنحن نحترم بروتوكولات الشركات، ونلتزم بأنظمة المؤسسات، ونخفض أصواتنا أمام المسؤولين، ونحرص ألا يهتز الهاتف أمام مدير، أو مسؤول، أو شخصية نراها مهمة. بل إن بعضنا قد يؤجل مكالمة مهمة احترامًا لاجتماع قد يستغرق ساعات. أفلا تستحق بيوت الله احترامًا أعظم؟ لكن الغريب أن بعضنا أتقن احترام البروتوكولات التي وضعها البشر، ثم جعل المسجد هو الاستثناء الوحيد.

فالمسجد ليس مجرد مبنى، وليس محطة عابرة بين مكالمتين. والصلاة ليست استراحة قصيرة نعود بعدها إلى هواتفنا. إنها اللحظة التي يقف فيها العبد بين يدي ربه، وهي أولى اللحظات بأن يصمت فيها كل شيء، إلا القلب.

ربما آن الأوان لأن تضيف شركات الهواتف وضعًا جديدًا اسمه: "وضع المسجد".

لكن المشكلة ستبقى، حتى لو وُجد، فلن يعمل إلا إذا فعَّله صاحبه.

الأكثر قراءة

z