لين 4

 

 

فاطمة الحارثي

بعد دقائق بدأت أهدهد إخوتي، وكتمت مشاعري لتستطيع الخالة المغادرة وهي مطمئنة، وكففنا جميعًا عن البكاء، وودعت الخالة وقالت لي أن أطرق بابها في أي وقت دون تردد، وطلبت مني ألا أخاف، فهي موجودة، وغادرت.

وبعد المغرب بقليل، رن هاتف المنزل. كنت في الطابق الثاني، والجهاز في غرفة والدي، فدخلت لأرد على الاتصال، وكان صمتًا تامًا من الطرف الآخر. حسبت الثواني الثلاث وأغلقت الهاتف، وعاد الاتصال، وما إن رفعت السماعة حتى تحدث، قال لي: إن لم تأتِ الآن، فلن تري صديقتك. وأغلقت الهاتف في وجه المتصل، وعاود الاتصال. رفعت السماعة، وكنت غاضبة، وقلت له: "لا أنت ولا عشرة من أمثالك يمكن يهددوني"، وسكرت الهاتف وسحبت الفيشة.

ودعنا عمتي ليلًا قبل النوم؛ لأنها لن تستيقظ فجرًا ونحن نغادر إلى المدرسة. لم أقل لها شيئًا عما حدث. لم أرَ "لين" في المدرسة، ولكن أثناء عودتي من المدرسة، وأنا أتجاوز باب منزلهم، ظهرت فجأة وسحبتني إلى الداخل، وهي تترجى ألا أبلغ والديها بشيء. بقيت تجرني إلى الداخل، ولم أقاوم؛ لأنني لمحت أمها من نافذة المطبخ، وهي تنظر إلينا، وبمجرد وصولي إلى الصالة سحبت يدي بقوة، وفي تلك اللحظة ظهرت أمها تسألني عن حالي، ابتسمت وقلت: بخير. رجعت إلى الداخل وهي تقول: سأستحم، ودفعتني "لين" نحو الصوفة لأجلس عليها، وما هي إلا ثوانٍ ويظهر الرجل أمامي من ممر غرف النوم.

تصلبت، ودفعت "لين" بعيدًا عني، ونظرت إليها، ولم أشعر إلا بالسكون يلبسني ويتملك كياني كاملًا، ثم بعيون ثابتة نظرت إلى الرجل بتحدٍّ، ثم نظرت إلى "لين". تركت يدي وخطت إلى الخلف بضع خطوات، وقلت لها: إن لمستِني أنتِ ميتة. لا أعلم من أين خرج صوتي، وكأني حاضرة، لكن في بُعد مختلف، وأعدت النظر نحو الرجل بكل جفاف وتحدٍّ. طغى شعور غريب في المكان، وقال الرجل: أنا مُعجب بك، وأريد أن أتعرف عليك. لم أرد، وأردف قائلًا: عطيني فرصة.

كان واقفًا عند باب البيت، وقفت وأنا لا أشعر بقدمي تلمس الأرض، وخطوت نحو الباب بكل برود وأنا ألتقط حقيبة المدرسة التي سقطت أثناء دفع "لين"، وقلت: أي حركة سأصرخ وأحضر كل من في المنزل هنا. قالت "لين" وهي ترجف: "لا أرجوك". تراجع الرجل وعاد من حيث ظهر، خرجت واتجهت إلى منزلي.

انتبهت، وأنا أتجه إلى غرفتي، أن باب غرفة والدي مفتوح، وعمتي تتحدث مع والدي. ذهبت إليهما وألقيت السلام، نظر إليَّ والدي مطولًا، وسألت عمتي: لماذا لم تغادري؟ قالت: اليوم الخميس، سأغادر غدًا، الطريق أكثر سلاسة. وقف والدي وأمسكني من كتفي، وسألني: ماذا بكِ؟ وقلت له: لا أعلم.

وخرجت إلى غرفتي ونمت إلى العصر. كانت عمتي قد انتقلت إلى غرفتي بعد عودة والدي. نزلت إلى الطابق الأرضي أبحث عن شيء آكله، وجدت بعض الطعام، أكلت وعدت إلى غرفتي، وما إن وصلت حتى وجدت عمتي على الهاتف، فاستغربت أنني لم أسمع الرنين، فقالت: تركته على الصامت حتى لا يوقظ أخي. وسألتني عن "لين"، فشعرت بتيار يعبر جسمي، وقلت لها: لا أهتم.

ووميض الهاتف يظهر وجود اتصال. أعطتني عمتي الهاتف لأرد، وهي تقول: ربما زميلتك. رفعت الهاتف، وإذا رجل. أغلقت الهاتف مباشرة، وتكرر الأمر عدة مرات. نظرت عمتي بحيرة، فأخذت الهاتف وقلت له: "أنت ما تفهم، ما عندك كرامة، أصلًا لو أنت رجال ما كنت فرضت تفاهتك". وأقسمت له: لو عاود الاتصال، سوف أقوم بالإبلاغ عنه. ثم أغلقت الهاتف، واتصلت بـ"لين" وقلت لها: "لمي كلبك الأسود، لا هو ولا أمثاله ممكن يجوا صوبي، وإلا بخبر أبوك والأخصائية عن كل شي"، وأغلقت الهاتف.

وما هي إلا دقائق ويتصل الرجل: "كيف تتجرئين تقولين عني كلب أسود؟". وقبل أن يُكمل قلت له: "الله يعز الكلب الأسود عن أشكالك، اتصال ثاني تأكد إن التحريات بتتفاهم معاك"، وأغلقت، وسكت الهاتف تمامًا بعدها. لم أرد أن يتم جري في هذه الأمور.

في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ومض ضوء الهاتف. ردت عمتي، وإذا صديقتها تقول لها: ماذا تفعل فاطمة في الخارج؟ قالت لها: فاطمة جنبي. فردت: إذًا من يقف في باحة المنزل عند موقف سيارتكم؟

لم نكمل ثواني حتى دخل والدي غرفتي، ورآني وأنا أنظر إلى الخارج، وعمتي معي، وتقدم نحونا وشاهد معنا خروج فتاة بعباءة سوداء، قريبة من طولي، ودخولها إلى سيارة سوداء كانت تقف خارج سور البيت، وسيارة أخرى حمراء في الرصيف المقابل تراقب الأحداث. وما إن دخلت المرأة السيارة حتى انطلقت مسرعة، وتقدمت السيارة الحمراء وأخذت الطريق المعاكس.

فتحت النافذة لأنظر إلى الأسفل، حيث سيارة والدي، ورأتني صديقة عمتي، وخرج والدي ليتفقد المكان والأبواب، ثم عاد وسأل: هل تعرفون شيئًا؟ قلت له: لا. وردت عمتي بنفس الإجابة.

لزمت الصمت، وجاء يوم السبت، ولم تحضر "لين" المدرسة، ومر الأسبوع وهي غائبة، ولم يرها أحد.

ومع مطلع الأسبوع الذي يليه، سمعت والدي وهو ينادي من الطابق الأرضي ويطلب مني النزول؛ لدينا ضيوف. وأنا عند بداية الدرج لمحت رجلين مع أبي عند نهاية الدرج، وقريبًا من باب المدخل الرئيس، وكان والدي يشرح لهما مداخل البيت. نزلت بهدوء، وما إن اقتربت من نهاية الدرج حتى جلست عليه، وأنا أنظر إليهما. نظر إلي أحدهما، وكانا اثنين. طبعًا، وقبل أن أنزل، كنت قد نظرت من نافذتي أتفقد سيارة القادم، ولاحظت وجود أشخاص فيها، وسيارة أخرى خارج الباحة.

تكلم الرجل الذي كان في المقدمة، وسألني: أنتِ فاطمة؟ لم أجب، بل اتجه نظري نحو والدي، وقال: "إيوا، هي فاطمة". فعاد وسأل، دون أن يُشيح ببصره: هل أنتِ فاطمة؟

يتبع...

 

 

الأكثر قراءة

z