د. غالية بنت عيسى الزبيدي**
هناك موظفٌ يقف كلَّ صباح أمام جهاز البصمة، يؤدي طقسًا يوميًّا يكاد يوازي، في قدسيته، افتتاح الدوام نفسه.
يضع إصبعه على الجهاز، فيصدر الجهاز صوتًا قصيرًا يعلن أن الوطن أصبح بخير، وأن عجلة التنمية قد دارت، وأن الإنتاجية ارتفعت، حتى لو لم يفتح الموظف ملفًا واحدًا إلى نهاية اليوم.
البصمة حضرت، أما الفكرة فقد تأخرت في الزحام.
في كثير من مؤسساتنا، لا يزال الزمن هو الموظف الحقيقي.
الساعات هي التي تُحاسَب، لا الإنجاز.
فإذا جلس الموظف سبع ساعات ونصفًا يتأمل شاشة الحاسوب، ويحتسي عشرة فناجين من القهوة، وخاض خمس جلسات لتحليل نتائج مباراة الأمس، ثم خرج في الموعد المحدد، فقد أدى واجبه الوظيفي كاملًا؛ لأنه لم يخالف عقارب الساعة.
أما ذلك الذي أنجز عمل أسبوع كامل في أربع ساعات، ثم أراد أن يغادر، فسيُنظر إليه وكأنه ارتكب جريمة إدارية؛ لأن الكرسي ما زال ينتظره، والبصمة لم تمنحه إذن الانصراف.
كأن المؤسسة تقول له: لسنا بحاجة إلى إنجازك، نحن بحاجة إلى وجودك.
في المقابل، اتجهت دول عديدة إلى فلسفة مختلفة. ففي هولندا، والسويد، وفنلندا، وفي كثير من المؤسسات في ألمانيا والدنمارك، أصبح التركيز على النتائج أكثر من التركيز على عدد الساعات. وانتشرت أنظمة العمل المرن والعمل الهجين، وأصبحت مؤشرات الأداء والإنجاز هي المعيار الحقيقي، وليس عدد الدقائق التي قضاها الموظف خلف مكتبه.
بل إن بعض الشركات العالمية اكتشفت حقيقة بسيطة: الموظف ليس شمعةً، كلما طال احتراقها زاد نورها؛ بل عقلٌ قد يبدع في ثلاث ساعات ما لا يبدعه في عشر ساعات أو أكثر.
ولذلك بدأت تجارب عديدة في تقليص ساعات العمل، أو اعتماد أسبوع العمل من أربعة أيام في بعض القطاعات، دون أن تنخفض الإنتاجية، بل ارتفعت في حالات كثيرة؛ لأن الموظف أصبح يعمل بعقل حاضر، وليس بجسد حاضر فقط.
المفارقة الساخرة أن بعض المؤسسات لا تعرف عن الموظف سوى سؤالين:
متى حضر؟
ومتى انصرف؟
أما الأسئلة التي تصنع المستقبل فلا تُطرح أصلًا:
ماذا ابتكر؟
ماذا طوّر؟
ما المشكلة التي حلّها؟
وما القيمة التي أضافها إلى المؤسسة؟
ولهذا نجد موظفًا يحمل عشرات الأفكار يعيش الدرجة الوظيفية نفسها التي يعيشها زميله الذي لم يبتكر منذ سنوات إلا طريقة جديدة لإخفاء شاشة هاتفه عن المدير.
ليست المشكلة في ساعات العمل، فهناك مهن تتطلب وجودًا مستمرًا بطبيعتها، كالصحة، والأمن، والتعليم، والخدمات المباشرة.
لكن المشكلة حين تصبح الساعات غايةً لا وسيلة، وحين يتحول الحضور إلى إنجازٍ بحد ذاته، حتى لو غاب الإنجاز الحقيقي.
الإدارة الحديثة لا تسأل: كم بقيت في المكتب؟
بل تسأل: ماذا تركت في المؤسسة قبل أن تغادر؟
فالمكاتب لا تُبنى بالكراسي الممتلئة، وإنما بالأفكار الممتلئة.
والاقتصادات لا تنمو بعدد البصمات، وإنما بعدد المبادرات، والابتكارات، والنتائج.
لقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة "احضر في السابعة" إلى ثقافة "أنجز ما يليق بك وبمؤسستك"؛ لأن الأمم لا تتقدم بمن يحرسون عقارب الساعة، بل بمن يصنعون قيمةً في كل ساعة.
وفي النهاية، ربما آن لنا أن نعيد تعريف الموظف المثالي؛ فليس هو الذي يغادر مكتبه آخر الناس، وإنما الذي يغادر وقد ترك وراءه أثرًا يجعل المؤسسة تتقدم خطوة إلى الأمام.
فالتاريخ لا يحتفظ بسجل البصمات...
بل يحتفظ بسجل الإنجازات.
**شاعرة وكاتبة
