الرؤية – كريم الدسوقي
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه نوع جديد من الاحتيال الإلكتروني: متجر يعرض مئات المنتجات، ويتيح للمستخدم تصفح السلع وإضافتها إلى سلة المشتريات، ثم إدخال عنوان التوصيل وانتظار وصول الطلب، لكن المفاجأة أن لا أحد يدفع أي أموال، ولا تصل أي شحنة على الإطلاق.
هذه ليست عملية نصب، بل تجربة رقمية جديدة انتشرت في كوريا الجنوبية، تقوم على إنشاء متاجر إلكترونية وهمية تمنح المستخدمين متعة التسوق كاملة، لكن من دون شراء حقيقي أو خسائر مالية، في محاولة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من إدمان التسوق والشراء الاندفاعي.
وتُعرف هذه المنصات باسم "مواقع الدوبامين" (Dopamine Sites)، لأنها تستهدف الشعور بالمكافأة والمتعة الذي يحصل عليه الإنسان أثناء عملية التسوق نفسها، وليس فقط عند امتلاك المنتج.
وتقوم الفكرة على تقليد تجربة التسوق الإلكتروني التقليدية بكل تفاصيلها تقريبا؛ إذ تحتوي هذه المواقع على قوائم منتجات متنوعة، وتقييمات ومراجعات، وخيارات بحث وتصنيف، وعروض ترويجية، تماما مثل المتاجر الحقيقية.
ولا يتوقف الأمر عند تصفح المنتجات، إذ يستطيع المستخدم اختيار ما يريد، ووضعه في سلة المشتريات، وإدخال عنوانه، ثم الضغط على زر إتمام الطلب، لتبدأ بعدها مرحلة محاكاة عملية الشحن.
وفي بعض هذه المنصات، يظهر للمستخدم أن مندوب التوصيل استلم الطلب ويتجه إلى عنوانه، كما يمكنه متابعة مسار الشحنة على الخريطة في الوقت الفعلي، تماما كما يحدث في تطبيقات التجارة الإلكترونية الحقيقية.
لكن المفاجأة تأتي في النهاية، إذ لا يصل أي منتج، ولا يتم خصم أي مبلغ من البطاقة المصرفية، فالهدف ليس البيع، بل منح المستخدم الشعور الكامل بأنه خاض تجربة شراء دون أن يدفع ثمنها.
ويقول مستخدمون لهذه المنصات إن التجربة تمنحهم إحساسا قريبا جدا من التسوق الحقيقي، بما في ذلك الحماس أثناء اختيار المنتج، وانتظار وصول الطلب، والشعور بالمكافأة الناتج عن إتمام عملية الشراء، رغم معرفتهم المسبقة بأن شيئا لن يصل إليهم.
وتحظى هذه الفكرة باهتمام خاص في كوريا الجنوبية، وهي واحدة من أكثر الدول تقدما في مجال التسوق الإلكتروني، حيث أصبح شراء المنتجات عبر الإنترنت جزءا أساسيا من الحياة اليومية، في وقت يواجه فيه كثير من الشباب ضغوط ارتفاع تكاليف المعيشة وكثرة الإعلانات التي تدفعهم إلى الشراء المستمر.
ويرى مؤيدو هذه المنصات أنها تمنح مدمني التسوق وسيلة لتفريغ الرغبة في الشراء دون استنزاف الأموال، إذ يحصل المستخدم على المتعة النفسية المرتبطة بالتصفح والاختيار والطلب، مع الحفاظ على رصيده المالي.
لكن الفكرة لم تسلم من الانتقادات؛ إذ يحذر بعض الخبراء من أن هذه المواقع قد لا تعالج المشكلة من جذورها، بل ربما تعزز السلوك نفسه الذي يجعل التسوق إدمانيا، لأنها تُبقي المستخدم داخل دائرة البحث والاختيار وانتظار المكافأة حتى لو لم تحدث عملية شراء فعلية.
