العربية في المقعد الثاني

 

 

 

خالد بن سعيد الكندي

 

لم يعد خافيًا ظاهرة تمدد اللغة الإنجليزية واتساع حضورها الكثيف في التعاملات اليومية للناس، فالتعامل في المستشفيات والصيدليات تحدثًا وكتابة وطباعة للمواعيد والتقارير واللوحات، لا يتم غالبًا إلا باللغة الإنجليزية بحكم الجالية الآسيوية المعهودة التي تحرص على حيازة الموقف، فبمجرد تجاوز مكتب الاستقبال يصبح التعامل في غالبه غير عربي.

بعض أنظمة الاتصال التلقائية (محليًا وإقليميًا) تستفتح المكالمة باللغة الإنجليزية، وإن شئت استبدالها بالعربية؛ فالعربية خيار ثانٍ عليك السعي إليه، ومثل ذلك في بعض أنظمة وتطبيقات شركات الخدمات العامة كالاتصالات والتأمين والمصارف والسفر والسياحة وخدمات السيارات والبناء وغيرها الكثير مما يدور في فلك التعاملات اليومية للناس، وحدث في هذا ولا حرج. فهل يعيش المرء غربة في وطنه وتحت سماء بلده وبين أهله؟

ليست هذه مخاصمة للغة الإنجليزية؛ فنحن ندرك قيمتها وأهميتها خاصة في ظل التقدم التقني والتعددية الاقتصادية العالمية التي تتعامل بهذه اللغة لاعتبارات علمية وحقيقية، وندعو إلى تعلمها وتعلم غيرها من لغات العالم كالصينية والألمانية والفرنسية وغيرها، لكن الفرق شاسع بين تعلم اللغة كقوة مضافة إلى الأدوات المعرفية، وبين أن تكون اللغة سلطة بديلة تنزاح معها أولويات الهوية العربية، فرق بين أن تكون اللغة نافذة نطل بها على العالم وبين أن تكون جدارًا يحجبنا عن الوطن في مؤسساته وخدماته والحقوق الوطنية عامة.

وحسبك أن يصدر مجلس الوزراء بيانًا بوجوب استعمال اللغة العربية السليمة في العديد من الأحوال؛ دليلًا على أهمية الموقف وحتمية التعامل معه بمسؤولية وطنية، باعتباره يتجاوز حدود الظاهرة الإدارية أو التنظيمية إلى شكل من أشكال التجني على الهوية الوطنية.

لقد تعرض علماء الإسلام لموضوع اللغة العربية بشكل موسع لا يستوعبه هذا المقال، فابن خلدون في مقدمته يرى ضرورة أن تكون اللغة ملكة متقررة؛ فهي بذلك تتجاوز حفظ المفردات إلى كونها مقدرة ذاتية تتشكل بالتكرار والممارسة والاعتياد يتمكن صاحبها من خلالها بالتفكير الصحيح والتعبير عن مقاصده وفهم ما حوله بها وبأدواتها وصولًا إلى مفهوم بناء الحضارة والعمران من خلال سلامة الذاكرة الإنسانية ونجاح نقل التجارب إلى الأجيال إلى جانب نقل العلوم والذوق والعادات والقيم. ومثل ذلك متقدم عند الشافعي في رسالته بقوله "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب" وغيرهم كثير من العلماء والمفكرين والمؤرخين مثل الإمام مالك والثعالبي وابن حزم وابن تيمية والذهبي والرافعي ومالك بن نبي، تكلموا في أهمية اللغة العربية وقيمتها التكوينية للهوية واعتبارها مكون مفصلي للثقافة والفكر وحاضنة للتقدم الإنساني.

وهذا فيتجنشتاين أحد فلاسفة القرن العشرين يتناول في كتاب كامل أهمية اللغة وقيمتها وأثرها ويصفها بقوله: "إن حدود لغتي هي حدود عالمي"؛ إذ ليست اللغة عنده مجرد أداة للتعبير أو الإفصاح أو وسيلة للتخاطب -في سياق تنظيمي وحسب- بقدر ما هي أصل يتشكل منها الفكر ويخرج إلى الوجود، وكما أن الإنسان لا يتمكن من فهم الأشياء والقضايا إلا بواسطة اللغة فإن اتساع حدود تلك المعرفة مرتبط بشكل وثيق باتساع لغته، ومتى ضاقت عليه اللغة ضاقت عليه المساحات الشعورية والإدراكية، وعندما تكون اللغة هي مبعث الاتساع الفكري والإدراكي فهذا يعني باختصار أنها مفصل أصيل في بناء الحضارة وحراسة الهوية.

كذلك يرى علماء الاجتماع أن اللغة هي عصب الهوية الاجتماعية، فبها تتحقق الذاكرة المشتركة ويتم تقاسم الوعي الجمعي وبالتالي يتشكل الولاء السياسي وينبض الضمير الوطني بحاجات النهوض وضرورات التقدم، وهذا ما يفسر اجتهاد القوى الاستعمارية في فرض لغاتها على الشعوب، لإدراكها بأهمية اللغة وخطورتها على تشكيل الوعي وأنماط الصمود وتقوية مفاهيم الوحدة الوطنية، ولهذا الارتباط الوثيق بين الواقع المعاش واللغة صير إلى التحكم والسيطرة وبسط النفوذ باحتلال الوعي -إلى جانب الاحتلال العسكري- من خلال اللغة، فمن يملك لغة التعليم والإدارة وتسيير القضايا الحياتية للناس؛ إنما هو بذلك يتمكن من بسط سيطرته على محركات السير المجتمعي وتشكيل وعيه وقيمه ونظرته لمستقبله.

لقد أثبتت اللغة -وهي إحدى موضوعات القرن الماضي أو كما يعرف "المنعطف اللغوي"- أن لها سلطة قاهرة في طريقة تكوين الأفكار وتوليدها، وليست فقط وسيطًا بين الأطراف، فالأشياء -عمومًا- والزمن والمشاعر والألوان والعلاقات كل ذلك تبسط اللغة سيطرتها عليه وتساهم بشكل فاعل في تكوين آليات إدراك الإنسان له، وليس تفاوت نظرة الشعوب إلى مثل تلك المتغيرات والنماذج إلا دليل على أن اختلاف اللغات بين الشعوب مؤدٍ إلى اختلاف ثقافاتهم وتقاليدهم الإنسانية.

يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن للغة سلطة عميقة وهي أداة هيمنة وسيطرة وتوجيه للرأي العام وكذلك يرى علماء الأنثروبولوجيا، فالذي يملك لغة الإعلام والتوجيه والتعليم وإدارة القضايا اليومية يملك قدرة كبيرة على تشكيل مستويات الوعي الجمعي لأي أمة، هذا يعني أن تراجع اللغة في الوسط الاجتماعي -أهليًا ومؤسسيًا- لا يمكن اعتباره مجرد تحول ظاهري في الحضور اللغوي، وإنما هو تحول ثقافي وسياسي جذري من شأنه أن يجعل المشهد الاجتماعي العربي ضربًا من الماضي، فبعضهم -رغم كونهم عربًا- يصر على التحدث مع أقرانه باللغة الإنجليزية. في الاجتماعات واللقاءات والاتصالات العابرة وفي الجامعات والمدارس الدولية وفي المطاعم "الراقية"، بل حتى في بعض الأسر من ذوي الطبقات المترفة أو المتأثرة بالثقافة الغربية يتحدث أطفالها باللغة الإنجليزية، ويعدون ذلك شكلًا من أشكال التقدم الحديث الذي تفرضه ضرورات الحياة، بل ويتواصل بعضهم فيما بينهم عبر الوسائط اليومية باللغة الإنجليزية، ويجعلون فرص الترقي والصعود الفكري في أي نقاش بينهم أن تكون مصطلحاتهم العلمية إنجليزية، ما يجعل حضور هذه اللغة الكثيف رمزًا اجتماعيًا وشعورًا بالتفوق الاجتماعي، وهذا نذير مخيف بهذا التحول والضعف في الهوية الثقافية والفكرية.

وحسبك ما نراه لدى بقية الأمم والشعوب من غيرة شديدة على لغاتهم وحرص ملحوظ على إحيائها وحضورها، كالصين واليابان وكوريا وفرنسا وألمانيا وغيرها من أمم وشعوب الأرض، فإن الباعث على ذلك القلق؛ إدراك تلك الأمم والشعوب بقيمة اللغة وبأنها المصير الذي ينبغي السير إليه بعناية فائقة وحرص شديد، فضلا عن أن في بقاء اللغة؛ بقاء صلتها بالتراث والتاريخ وضرورة وجودية تتجلى في تنشئة الأجيال على ذلك، وإلا تراجعت الثقة الجمعية بالهوية المحلية وضعف اتصالها بقيمها الاجتماعية وذابت في هويات الآخرين واستوردت مفاهيمها وقيمها وباتت لا ترى التقدم إلا من خلال عباءة الآخر.

على أن التمسك بلغتنا العربية الأصيلة لا يعني أننا نزدري لغات الآخرين أو نقلل من أهميتها، بل نعني بهذا التمسك أن تبقى أمتنا العربية واقفة على أرض آمنة، منفتحة علميًا على العالم من خلال لغتها الأصيلة، تنهل من علوم الآخرين وتفكر فيها بلغتها الأم لا بلغة غيرها، يقول الدكتور عصام البشير "الارتباط بالأصل لا يعني الانفصال عن العصر، كما أن الاتصال بالعصر لا يقتضي الذوبان فيه، وإنما الرشد أن يبقى الإنسان متمسكًا بأصوله، بصيرًا بزمانه، قادرًا على تنزيل الحق على واقعه".

عندما التفت العرب إلى علوم العجم لم يجعلوا لغات تلك الأمم شرطًا لفهم علومهم، بل دفعوا بتلك العلوم للهجرة إلى لغتهم العربية الأصيلة، فترجموا علوم اليونان وفارس والهند بل واستنهضوا الهمم في شروحها والبناء عليها وتطويرها، وحققوا بذلك سبقًا تاريخيًا ما تزال الإنسانية تتفيأ ظلاله، وهذا يعني أن العربية لم تكن يومًا عائقًا أمام التقدم الحضاري ولا عبئًا على التنمية، بل كانت جسرًا واعدًا عبرت من خلاله علوم الإنسانية المختلفة لسانيًا لتستوعب المعرفة داخل لغتها وهويتها.

إن اللغة أصل حضاري لا ينبغي التفريط فيه، فهي ليست مجرد أصوات أو وسيط نتبادل من خلاله أفكارنا ومشاعرنا بقدر ما هي ذاكرة وهوية، وضعفها ليس ضعفًا لسانيًا فحسب، بل هو ضعف للثقة وارتباك للهوية وتراجع للشعور بالانتماء.

ليست هنا ثمة معركة بين العربية والإنجليزية، إنما هو تدافع مسوغ بين إرادة وطن يريد أن يتقدم نحو المستقبل بهوية واضحة، وبين واقع يومي يدفعه ببطء نحو الاغتراب داخل حدوده الوطنية، ويجب أن نقول بوضوح إنه لن تكتمل كرامة المواطن ما لم تخاطبه مؤسسات وطنه بلغته ولا ثمة نهضة مستقرة لأمة تجعل لغتها الأم في المقعد الثاني.

إن حماية لغتنا العربية ليست ترفًا ثقافيًا؛ بل مسؤولية وطنية مشتركة مع الحكومة والمؤسسات والمدارس والجامعات والهيئات والإعلام والشركات والأفراد، فاللغة التي لا نحميها في التفاصيل الصغيرة، سنبكيها يومًا في القضايا الكبيرة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z