لين (3)

 

 

فاطمة الحارثي

كنتُ في غرفتي، فجاءت عمَّتي وقالت: هناك اتصال طلبك بالاسم، فأخبرته أن الرقم خاطئ، وأغلقت الهاتف. وكان الكاشف يُظهر أن الرقم من هاتف عمومي. توجهتُ إلى الهاتف واتصلتُ بـ"لين"، وكانت هي من أجابت من أول رنة. سألتها إن كانت قد أعطت رقمي لأحد، فأجابت: نعم. فقلت لها: أوقفيه؛ لأنك لن تتحملي عواقب رد فعلي. وكان صوتي غاضبًا جدًا، فطلبتْ مني الهدوء، وأكدتْ لي أنها ستمنعه من الاتصال، وأغلقتُ الهاتف في وجهها. واضطررتُ بعدها إلى أن أُخبر عمتي عن "رجل الهاتف"، فقالت: يبدو أن ثمة كاميرات مراقبة في منزلها، وإلّا كيف سيعلم بتحركك؟ قلتُ لها: وربما كان في المنزل منذ البداية، لا أعلم، ولا أريد أن أفكر في الموضوع، فجُلُّ قلقي كان على إخوتي عندما نكون بمفردنا في المنزل.

في اليوم التالي، غيرتُ موقع انتظار حافلة المدرسة؛ لأتجنب لين، وعند ركوب الحافلة كانت المحطة التي تلي الموقع الذي تستقل منه لين الحافلة. جلستُ مباشرة خلف سائق الحافلة، وكان وجهي ممتعضًا، مما أبعدها عني طوال اليوم الدراسي. وفي طريق العودة، تفاجأتُ بأنها جلستْ بالقرب مني، وهي تعتذر بشدة عن كذبتها، وأنه كان حقيقيًا هناك مُترصِّد، لكنها خافت أن يشك فيها والدها ويُفسِّر الأمور بطريقة خاطئة. قلتُ لها: والمكالمة؟ ارتبكتْ وقالت: لا أعلم، هو فقط طلبك بالاسم. وسألتُها كيف عرف أنني أتحرك في المكان، فقالت إنها لم تنم الليل من الخوف بسبب ذلك، وأن خوفها الآن زاد، وقد أخبرتْ أمها وأختها بكل شيء بعد أن دخل والدها غرفته. لم أكن ساذجة، لكنني كنت مجرد طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة، فأردتُ أن أصدقها.

في المساء، وكان يوم الأربعاء المشؤوم، اتصلتْ وقالت إن أمها في انتظاري، فقد حضَّرت لي البسبوسة. كانت عمَّتي في السوق، فأخبرتها أنه لا أحد أستأذن منه لأخرج، فقالت: أمي هنا، لا تقلقي. ذهبتُ إليها، ودخلتُ الصالة، وأحضرتْ لين البسبوسة على أساس أن أمها نائمة وأختها في الغرفة. أتتْ أختها وسلمتْ عليّ، ثم رجعت إلى غرفتها. وبينما نحن نتحدث، دخلت لين إلى ممر الغرف، وأحضرت الهاتف معها، وهي تقول: أمي نائمة، لا أريد أن يوقظها. أتت أختها وطلبت من لين الهاتف، فرفضت، وقالت لها: تحدثتِ طويلًا مع خطيبك. لم أقل شيئًا، وكنتُ أتناول البسبوسة، ولين تراقب الساعة. وما هي إلا دقائق حتى رفعت لين سماعة الهاتف وجرته إلى الداخل، وهي تتحدث بهمسٍ. لم أُعر الموضوع أهميةً، وبعد أن مرّت بضع دقائق وأنا وحدي، لم أستطع أن أنادي على لين لأن والدتها نائمة، فدخلتُ الممر، ووجدتُ بابًا غير موصد، فضربت عليه بخفةٍ، فناداني صوت أختها أن أدخل. وجدتُها غرفة مرتبة، مليئة باللون الوردي، وسألتُ عن لين، فأخبرتني أنها ربما في غرفتها، وأرشدتني إليها، وهي بعد غرفة أخيهم.

وكانت لين تغلق الهاتف عندما وصلتُ إليها، وقلتُ لها: "طوَّلتِ، أريد الذهاب إلى المنزل." ابتسمت وقالت: سأوصلك. خرجنا، وقبل أن أدخل باحة منزلي قالت لي: تعالي معي عند الخياط، وأشارت إلى التقاطع، وقالت: هو قريب، وأخاف أن أكون وحدي. وتذكرتُ أنني أخبرتها في الحافلة عن الشخص الذي يتربص بمنزلها، وظننتُ أن هذا زاد من خوفها، فقبلتُ، وتوجهتُ معها إلى الخياط. هو لا يبعد كثيرًا عن المنزل، فموقع منزلنا طرفي على شارع سوق المنطقة، وشارع السوق ذو امتداد شمالًا وغربًا، ويتصل بالشارع المقابل للمنزل جنوبًا في اتجاه شاطئ البحر، وموقع الخياط بعد حوالي ستة أبنية من التقاطع الرئيسي للشارع. وأثناء سيرنا لاحظتُ تباطؤها، وكلما كنتُ بمحاذاتها أبطأتْ لتكون خلفي، فتوقفتُ وسألتها: ما بك؟ قالت: في الحذاء حصى. وطلبتُ منها إخراجه، ووقفنا لتخرجه. وفي تلك اللحظة انتبهتُ إلى سيارة سوداء تُشبه التي مرت بالأمس تتقدم نحونا، بل أكاد أجزم أنها نفسها.

وهنا تمعنتُ في وجه "لين" بعد أن نظرتْ إلى الخلف؛ إذ وقفت فجأةً وأسرعت الخطى، وهي تحثني على الحركة. وبعد بضع خطوات تجاوزتنا السيارة، ووقفت على يسارنا بعد مسافة بسيطة، ونزل منها رجل غريب، وفتح الباب الخلفي للسيارة. كنتُ على مقربة من السيارة بضع خطوات، فتحركتُ يمينًا لأتجاوز الرجل الواقف، وشعرتُ فجأةً بيدين من الخلف تدفعانني بقوة نحو مدخل باب السيارة، وامتدت يد الرجل تحاول الإمساك بي. وبدون أن أفكر، استخدمتُ الدفعة من الخلف لأنزلق يسارًا وأدور عائدة، وإذا بالرجل يصرخ: أمسكيها، ولين ترد: "فلتت... لا، ما بقدر". وأنا أمشي مسرعة عكس الاتجاه، ونظرتُ خلفي، ورأيته وقد أمسك بيد لين ودفعها داخل السيارة. أكملتُ المشي دون توقف، وليس في رأسي سوى الوصول إلى المنزل. استطاع الرجل أن يُغيِّر اتجاه السيارة، وتقدم نحوي وأنا أعبر التقاطع، وصرخ يأمرني أن أتوقف وأركب السيارة. لم أُبالِ بأي شيء، ولمحتُ وجهه، واتجهتُ إلى المنزل مستفيدةً من الساحة المقابلة لمنزلنا؛ حيث لا يستطيع إدخال سيارته الصالون. ولم أتوقف إلا بعد أن أغلقتُ باب المنزل خلفي بالمفتاح، وأنا أسمع صوت سيارة تدخل باحة المنزل وصوت الحصى. أسندتُ ظهري إلى الباب كأني أحمي المنزل بظهري، وسقطتُ جالسةً وأنا أنتفضُ من الموقف.

لا أتذكرُ كم من الوقت بقيتُ في تلك الوضعية، إلى أن جاء رنين الهاتف، الذي كسر صمت المكان. اتجهتُ نحو الهاتف، ورفعتُ السماعة، وانتظرت. كان والدي في الطرف الآخر، وعدم الحديث مباشرة عند الرد على الهاتف كان من طبعي، والجميع في المنزل يعرف ذلك. سألني عن عمَّتي، فقلتُ له إنها خرجت إلى السوق. وسألني: ما به صوتك؟ فأخبرته: لا شيء. وسألني عن إخوتي، فأخبرته أنهم عند الجيران، الخالة...، وكان أربعتهم يلعبون عندها؛ فمنزلها مقابل منزلنا، ونتشارك الباحة نفسها، وصاحبة المنزل صديقة لأمي، وأبناؤها الثلاثة في عمر إخوتي. وأخبرني أن أُعيدهم؛ فالمغرب قريب، وطلب أن أُذكِّر عمَّتي بوقت مغادرتها غدًا، وأنه سيصل الساعة السابعة صباحًا، فلا تُغلق الخادمة الباب بعد خروجنا إلى المدرسة. انتهى الاتصال، فاتصلتُ بالخالة وطلبتُ منها أن تُرجع إخوتي إلى المنزل. وما هي إلا دقائق حتى دخلوا من الباب الرئيسي، فانتفضتُ، ثم تذكرتُ أنني أغلقتُ الباب الجانبي، وليس الرئيسي. رأتني الخالة، وأخذتني في حضنها، وهي تسألني: "ما بك؟". هي لا تعرف العربية، وتتحدث معنا باللغة الإنجليزية. لم أقل شيئًا، فأجلستني على الأريكة، وطلبتْ أن أُخبرها ما بي. قلتُ لها: اشتقتُ إلى أمي. فحضنتني، وبكيتُ، وما هي إلا ثوانٍ حتى التفَّ حولي إخوتي، وبكوا معي.

يُتبع...

الأكثر قراءة

z