خليل البلوشي وأزمة الإعلام العراقي

 

 

 

حمد الناصري

 

نقد لاذع أم تجاوز للخطوط الحمراء؟

لم تكن الكلمات النارية التي أطلقها المعلق العُماني خليل البلوشي أثناء تعليقه على مواجهة المنتخب العراقي في مونديال 2026 مجرد انفعال لحظي خلف الميكروفون، بل تحولت إلى شرارة فجّرت أزمة فكرية عميقة تخطت أسوار المُستطيل الأخضر. لقد وضع البلوشي إصبع الاتهام مباشرة على المنظومة الإعلامية الرياضية في العراق، مُحَمّلًا إياها وزر الأزمات المتلاحقة التي تُحيط بـ "أسود الرافدين" وتستنزف تركيزهم. هذا التشريح العلني لم يقف عند حدود العتب والملام، بل تعَمّق ليفكك أزمة بنيوية يُعاني منها الخطاب الرياضي العربي في تعاطيه مع الشغف الجماهيري والأداء الفني.

هذا الهجوم غير المُهادن لم يأتِ من فراغ، بل كان بمثابة الصدى العالي لصوت مكبوت يتردد في صدور شريحة واسعة من مشجعي الكرة العراقية الذين استنزفهم الدوران في حلقات مُفرغة من الوعود الإدارية والفنية. ومع ذلك، فإنّ الأزمة الحقيقية التي عَرّاها هذا السجال لا تكمن في قسوة النقد بحد ذاته، بل في معضلة "الانفصام السلوكي" التي تسُم بعض مفاصل التناول الإعلامي؛ فحينما يأتي المديح الخارجي مُنصفًا أو مُبالغًا فيه، يستقبل بالترحاب ويرفع القائم به إلى مرتبة الصديق الصدوق، أما عندما يتحول الخطاب نفسه إلى تشخيص موضوعي للأخطاء وتعرية للعيوب، ينقلب المشهد رأسًا على عَقِب، ويُدرج الناقد فورًا في قوائم المستهدفين للهوية الرياضية والوطنية.

إنّ هذا التأرجح الحاد يُعيد صياغة الأسئلة المؤجلة حول الوظيفة الجوهرية للإعلام الرياضي ورسالته الأخلاقية؛ فالخطاب الذي يصنع من الانتصارات العابرة بطولات ملحمية ويهب اللاعبين هالات وهمية من العبقرية، هو ذاته الخطاب الذي يرتد بسلاح الهدم عند أول كبوة، محولًا شاشات التحليل إلى منصات لتصفية الصراعات الشخصية واستعراض الأزمات الإدارية. إن تكريس ثقافة تقبّل "الآخر المادح" واستزراع العَداء ضد "الآخر الناقد" يخلقان بيئة رياضية معزولة عن الواقع، تتغذى على الإنكار الجماعي وتخشى مواجهة مسَبّبات الفشل الحقيقية.

وفي مرحلة تتسم بالندية العالمية الشرسة، يبدو منتخب العراق في أمسِّ الحاجة إلى حواضن إعلامية مهنية تتجاوز ثقافة الهرولة خلف "الترِند" وإثارة الجماهير.

المنظومة تحتاج إلى أقلام وشاشات تملك الأهلية الفنية لتقديم قراءة واعية تدعم الفريق في أوقات البناء، وتملك بالتوازي الجرأة المعرفية والنزاهة للتشريح البناء في أوقات الإخفاق؛ فالكيانات الرياضية الكبرى لا تُبنى بتبادل عبارات المجاملة الاستهلاكية، كما أنّ الانقلاب السريع بين منصّات التمجيد ومسالخ الشيطنة يَحرم اللاعبين والمؤسسة من الاستقرار الذهني الكفيل بصناعة الإنجاز المستدام.

خُلاصة القول.. يُثبت هذا الحراك الرياضي أنّ الذود عن كبرياء الكرة العراقية وتاريخها الممتد لا يتحقق بكتم الأنفاس الناقدة أو مواراة العيوب خلف شعارات برَّاقة؛ بل من خلال امتلاك الشجاعة لمكاشفة الذات وتطهير المنظومة من شوائبها. إنّ النقد المُخلِص ليس مِعْول هدم للهوية الرياضية، بل هو بوصلة التصحيح وإعادة المسار؛ ولن يكتب للكرة العراقية بلوغ آفاق التطور الحقيقي إلا عندما يرتفع وعي الإعلام ليدرك أنّ دور الحارس الأمين يتطلب أحيانًا جُرأة تجرَع الكلمات المُرة، لأن صروح الرياضة المستدامة تُشاد على دعائم الحقائق الصلبة ومواجهة النقص، لا على مُسَكّنات المديح الزائف والوعود الافتراضية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z