ريتّا دار
قبل شهر تقريبًا، كنت أعد الأيام المتبقية للوصول. بقي ستة أيام، ثم خمسة، ثم أربعة، ثم ثلاثة، وكنت أعتقد أن الجزء الأصعب من الرحلة هو الانتظار. اليوم أكتشف أنني كنت مخطئة؛ لأنني أعد الأيام مرة أخرى، لكن في الاتجاه المعاكس. وفجأة أصبح للرقم نفسه طعم مختلف تمامًا.
الغريب أنني حين وصلت، كنت مقتنعة أن لدي وقتًا طويلًا جدًا، شهر كامل، ثلاثون يومًا، رقم ضخم يسمح للإنسان أن يؤجل كل شيء. يمكنني أن أزور الجميع لاحقًا. يمكنني أن أرتاح لاحقًا. يمكنني أن أجلس مع أمي لاحقًا. ثم أتى "لاحقًا"، وحدث ما يحدث دائمًا.
اختفى الشهر. لا أعرف أين ذهب بالضبط!
لكنني أشك أن جزءًا كبيرًا منه ضاع بين جلسات المتة، والزيارات العائلية، والأحاديث الطويلة، ومحاولات فهم العملة السورية الجديدة، والرد على سؤال: "ما رأيك في وضع البلد؟" للمرة السابعة والعشرين. غير أن أكثر ما استهلك وقتي واهتمامي لم يكن المدينة، ولا الزيارات، ولا حتى الإجازة نفسها. كانت -وستبقى- أمي.
من الأشياء التي فشلت فيها خلال سنوات الغربة كلها.. إقناع أمي أنني أصبحت إنسانة بالغة. لقد جربت كل شيء، عشت وحدي، عملت، سافرت، دفعت فواتيري بنفسي، وأدرت أمورًا أكثر تعقيدًا من اختيار وجبة الغداء. لكن أمي ما زالت تملك نظرية مختلفة تمامًا، نظرية تقول إنني، في أعماقي، ما زلت شخصًا يحتاج إلى المراقبة المستمرة.
ولهذا، منذ اليوم الأول لوصولي، بدأت عملية الإشراف، هل أكلتِ؟ لماذا لا تنامين جيدًا؟ لماذا استيقظتِ باكرًا؟ لماذا تمشين حافية؟ لماذا تشربين الماء باردًا؟ لماذا لا تشربين الماء أصلًا؟ ولماذا تجلسين أمام المروحة؟!
وفي مرحلة معينة، بدأت أشعر أنني مشروع بحث علمي طويل الأمد، تتابع أمي تفاصيله منذ أكثر من ثلاثين عامًا. والأطرف أن أمي لا تحتاج إلى أدلة. يكفي أن أسعل مرة واحدة، أو أعطس، أو أقول إن رأسي يؤلمني قليلًا، حتى تدخل حالة الاستنفار، فجأة يصبح هناك شاي، وأعشاب، ونصيحة طبية، وثلاث روايات عن أشخاص أهملوا أنفسهم وانتهى بهم الأمر إلى نتائج كارثية. بينما أنا، في الحقيقة، كنت فقط أحاول تنظيف حلقي.
حتى خروجي من البيت لا يزال يحتاج إلى مراجعة، إلى أين؟ مع من؟ متى ستعودين؟ هل معك نقود؟ هل شحنتِ هاتفك؟ هل أخذتِ المفتاح؟ والمشكلة أنني أجيب عن كل هذه الأسئلة تلقائيًا.
بعد أكثر من ثلاثين عامًا من التدريب، أصبح الأمر رد فعل لا إراديًا أكثر منه حوارًا. لكن بين كل هذه المواقف الكوميدية الصغيرة، اكتشفت شيئًا لم أنتبه له في السنوات الماضية.
أن أمي أيضًا كبرت.
وللمرة الأولى، وجدت نفسي أراقبها أكثر مما تراقبني. أراقب طريقة مشيها، وطريقة ترتيبها للأشياء، والطريقة التي تحفظ بها مواعيد الجميع وتنسى مواعيدها هي. وأراقب ذلك التعب الصغير الذي تحاول إخفاءه بسرعة كلما لاحظه أحد.
لأن أمي ليست من الأشخاص الذين يسمحون للوقت بأن يظهر بسهولة، هي من ذلك الجيل الذي يتعامل مع التعب كأنه رأي شخصي يمكن تجاهله.
تستيقظ قبل الجميع، وتتذكر كل شيء، وتحل نصف مشاكل العائلة قبل أن تشرب قهوتها. وإذا احتاج أحد شيئًا، يعرف الجميع بشكل غريزي أن أمي ستجد الحل بطريقة ما.
وتدير البيت بطريقة تجعلني أعتقد أحيانًا أن لديها نسخة سرية من اليوم تحتوي على ساعات إضافية لا نملكها نحن.
والمشكلة أن أمي لا تبدو مقتنعة أصلًا بأنها تبذل جهدًا جبارًا، تفعل كل ذلك وكأنه أمر طبيعي تمامًا، وكأن ترتيب أمور الجميع، والاطمئنان على الجميع، والانشغال بالجميع.. جزء بسيط من يوم عادي.
ولهذا ربما لا ألاحظ مرور السنوات عليها إلا في لحظات نادرة جدًا، لحظات قصيرة تجعلني أتذكر أن المرأة التي أراها أمامي ليست بطلة خارقة كما كنت أعتقد وأنا صغيرة، بل إنسانة حقيقية أيضًا، قوية بشكل مدهش.
أمي ليست كبيرة في السن أصلًا، ولهذا ربما يزعجني أن ألاحظ مرور الوقت عليها؛ لأنها ما زالت الشخص الأكثر نشاطًا في البيت.
ولهذا يصعب عليّ أحيانًا أن أتذكر أنها ليست مجرد "أمي"، بل امرأة تحمل فوق كتفيها سنوات طويلة من المسؤوليات، وتواصل يومها كأن الأمر لا يستحق الذكر.
وهنا تحديدًا بدأت أفهم لماذا مرّ هذا الشهر بسرعة مُخيفة؛ لأنني لم أكن أحاول قضاء الوقت، كنتُ أحاول الاحتفاظ به.
أحاولُ أن أسرق أكبر عدد ممكن من التفاصيل الصغيرة قبل أن تنتهي الإجازة، فنجان قهوة، حديث عابر في المطبخ، سؤال متكرر للمرة العاشرة، تعليق أعرفه مسبقًا، وأشياء تبدو عادية جدًا.. إلى أن تصبح بعيدة.
قبل شهر كنت أعد الأيام للوصول، واليوم أعد الأيام للرحيل، لكن الفرق أنني في المرة الأولى كنت أحسب كم بقي من الوقت لأراها، أما الآن.. فأحسب كم بقي منه معها.
وربما لهذا السبب يبدو العدّ الثاني أثقل بكثير من الأول، ومع ذلك، أعرف جيدًا ما سيحدث صباح السفر.
ستطعمني أمي عدة مرات، وستسألني إن كنت متأكدة أنني لا أشعر بالبرد، رغم أننا في الصيف، وسأجيبها، ككل مرة، أنني بخير، ثم أغادر.
الغريب أنني، طوال سنوات الغربة، كنت أعتقد أن أكثر ما أشتاق إليه هو البلد، ثم اكتشفت أنني كنت أبالغ قليلًا؛ لأن البلد، في النهاية، يمكن تعويضه بمكالمة فيديو، وبصورة، وبخبر، وبذكريات. أما أمي فلا، أمي من الأشياء التي لا تعمل عن بُعد، لا يمكن تعويض وجودها بصوت في الهاتف، ولا برسالة، ولا حتى بمئة رسالة.
ولهذا، كلما ابتعدت أكثر، اكتشفت أن أكثر ما أفتقده لم يكن المكان الذي جئت منه، بل الشخص الذي ما زال يعتبرني غير قادرة على اختيار وجبة مفيدة أو ملابس مناسبة للطقس وحدي.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا أشعر أنني كبرت فعلًا عندما أكون معها، أشعر فقط أنني أكثر طولًا مما كنت عليه في طفولتي، أما الباقي... فما زال محل نقاش بيني وبينها حتى اليوم.
ولكنني أعرف أن هناك حقيقة واحدة لم ولن تتغير رغم كل شيء: أمي ما زالت لا تصدق أنني كبرت، وأنا، على ما يبدو، لا أمانع ذلك كثيرًا.
