مُزنة المسافر
السينما تعُج بالرواد، كلهم يدخلون في طابور أنيق، ملابسهم تحكي اللباقة والحياة الشيك، مجدي بيه يمسك بيد دلولة أو دلال لطفي، يسحبها في مهل ليتجاوزا الصف الطويل، ويذهبا بتذكرتين لونهما ذهبي، يتحدث مجدي بيه في همس لموظف يحمل مصباحًا يدويًا، ويقف أمام بوابة قاعة السينما، يطلب منه مجدي أن يدخلهما قبل الجميع.
أمام شاشة عريضة تظهر فاتن حمامة وعمر الشريف في أُلفة فنية، حوارهما الشيق يجعل دلولة تبكي حين ترى ولع الحب في عينهما، والشوق في قلبهما، فيقاطع تأثرها مجدي ليقول:
مجدي: بلاش تعيطي يا دلال، دي حدوتة مكتوبة.
دلولة: مش قادرة، البطلة طيبة أوي، والبطل ما بيستاهلش العتاب.
مجدي: المخرج عايز كده!
شرح مجدي لدلال أن يوسف شاهين أراد صراعًا يحدث في الميناء، وجلبة بين الرجالة، وقربه هيام بين الثنائي الساحر فاتن حمامة وعمر الشريف، وأن السينما فيها الصراع والحب والضياع والوصول.
من الشرفة في الطابق الخامس، شربات تنظر نحو حموقَّه الذي يدخن الجوزة في مقهى الزقاق، حموقَّه المطبلاتي يصنع دوائر دخانية ترقص بخفة أمام عينيه، ينادي حموقَّه على معلم الجوزة أو التومباكشي في المقهى، وهو شاب سمين من لحم ودم، اسمه تيخا، طلب منه حموقَّه أن يحضر له فحمة مشتعلة، وفنجان قهوة وسط.
تيخا: قهوتك إيه النهارده؟ يا حموقَّه يا بتاع المزيكا!
حموقَّه: وسط… ولا أقولك سكر زيادة، عشان الحلاوة والشقاوة!
تيخا: عشان طعماتك يا حلاوة… وأنا جبت لك عقدين ياسمين.
وبرضه بتزيدها قساوة، أجيب لك كزوزة يا سكرة… طب تفاحاية ومتقشرة.
يا غزال الدرب الأحمر، هو الدرب الأحمر فرع من الشقاوة، يا حلاوة على الشقاوة.
أدى تيخا رقصة دار فيها حول نفسه، وفي يده سلسلة ووعاء صغير يحمل الفحمة المولعة، وقلبه مبتهج وعيونه مبسوطة بوجود أهل المزيكا في مقهى الزقاق، فغنى: "لكتكوت الأمير يا غزال الدرب الأحمر"، ومن ثم سأل حموقَّه.
تيخا: هي العرايس بتكلم الغزلان يا حموقَّه؟!
كيف يقول حموقَّه المطبلاتي إن الغزلان والنسوان قد هجرتا خزانته العتيقة وحياته الرثة، حتى الراقصة بسكوتة التي صبرت عليه لوهلة، كان صبرها من أجل لقمة العيش، لكن جسد بسكوتة هزل وضاعت المزيكا من عقلها، وأصابها الشلل وتحولت إلى قطن منسي، لا يمكن لأحد عنه أن يحكي.
بينما الأراجوز يكتب مسرحية عجيبة، فيها بساط سحري يأخذ كل دمية نحو زمن مخفي، حسن الشطور يقف أمام النافذة، يراقبه شكشك عن كثب، ويقترب منه ليسأل بفضول كبير.
شكشك: بتعمل إيه عندك يا جاسوس؟!
حسن الشطور: ولا حاجة.
شكشك: كداب!
حسن الشطور: وأكدب ليه؟ أنا أصلًا… أصلًا بشتغل ضابط مباحث!
مفاجأة فجرها حسن الشطور، أنه يعمل في قسم شرطة الدمى، لديه بطاقة تثبت كلامه، كتبها له عمي رجب، وأن الأراجوز أبو العضلات وجه في الماضي الكثير من اللكمات لحسن الشطور، فتصرف عمي رجب، ولا بد أن يحمي أبناءه من العراك والصراع، لكن الأراجوز لم يسكت عند رغبة حسن الشطور في أن يكون قويًا في المكان.
الأراجوز: من الليلة دي حتخش العنبر، عنبر العرايس!
لماذا يا أراجوز؟ لماذا سيدخل الزنزانة؟ في عنبر قد يختنق فيه، ويسهر فيه دون شخير، كيف سيأكل الشطور يا عيني؟ كيف سيعيش هذا الغلبان الصغير في سجن الأراجوز الوهمي؟ من يعلم؟ من يدري؟!
