"إجادة" بين التقييم المعياري والأداء الفعلي للموظف

 

 

د. علي بن حمد المسلمي

aha.1970@hotmail.com

التطوير سمةٌ من سمات الحياة المعاصرة، وأصبحت مواكبة التقدم العلمي ضرورةً ملحةً من أجل التغيير نحو الأفضل والاستفادة من الانفجار المعرفي. وفي ظل سعي وزارة العمل إلى تقييم أداء الموظفين وفق معايير محكمة، استُحدثت منظومة «إجادة» لتقييم الأداء الوظيفي.

وتُعد منظومة «إجادة» نظامًا يخضع للمراجعة والتطوير المستمر من قبل الجهات المختصة، وهو ما نلاحظه عامًا بعد عام. وقد أسهمت المنظومة منذ تطبيقها في ترسيخ ثقافة التخطيط للأداء، وربط الأهداف الفردية بالأهداف المؤسسية، وتعزيز مبدأ المساءلة وتحفيز الموظفين على الإنجاز والتطوير المهني، كما وفرت إطارًا موحدًا لتقييم الأداء الوظيفي، الأمر الذي يُعد خطوة مهمة نحو رفع كفاءة العمل المؤسسي وتحسين جودة المخرجات. ومع ذلك، فإن كل جهد بشري يواجه تحديات، وتظهر فيه بعض الملاحظات عند التطبيق، والكمال لله وحده، وهي ملاحظات ينبغي النظر إليها نظرة إيجابية تسهم في التحسين والتطوير.

ومن أبرز الملاحظات التي تستحق الدراسة وجود فجوة بين تقييم المسؤول المباشر للموظف في الأداء المدرسي وفق الخطة الفردية التي وضعها الموظف بنفسه، وما تتضمنه من أوزان ومؤشرات معتمدة، وبين التقييم الفعلي للأداء من خلال الزيارات الإشرافية التي ينفذها المسؤول المباشر، وكذلك مؤشرات جودة الأداء المدرسي المستندة إلى الاستمارات المعدة لهذا الغرض، التي تشمل آراء المعلمين وأولياء الأمور والطلبة حول الحياة المدرسية، وتحليل أعمال الطلبة، إضافة إلى التقييم المحلي للأداء المدرسي من خلال اللجان المشكلة لهذا الغرض، ونتائج تقييم المدرسة في محور القيادة والحوكمة المنبثقة عن تقييم اللجان المركزية التابعة للهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم.

والمُلاحظ أن الخطة الفردية التي يضعها الموظف تمثل ترجمةً للأعمال والمهام الموكلة إليه، ويقوم المسؤول المباشر باعتمادها، ثم يقوم النظام الإلكتروني بتصنيف جميع الموظفين ابتداءً في مرتبة «جيد»، قبل توزيع نسب محددة على مراتب «ممتاز» و«جيد جدًا»، فيما يبقى الباقون في مرتبة «جيد» أو أدنى منها. وهنا قد تظهر مساحة من الذاتية في التقدير.

ويظهر التباين عندما يحصل موظف على مرتبة «جيد»، بينما تشير نتائج الزيارات الإشرافية التي ينفذها المسؤول المباشر خلال فترة التقييم النصف السنوية إلى مستوى «جيد جدًا» أو «ممتاز». ويزداد الأمر وضوحًا عندما يكون الموظف قد حصل خلال العام نفسه على رسائل شكر من الجهات المختصة أو من المسؤول المباشر، أو حقق إنجازات مهنية متميزة، أو حصل على مؤهل علمي أعلى.

ومن الملاحظات الأخرى حصول بعض الموظفين على تقديرات «جيد جدًا» خلال السنوات الأولى من تطبيق منظومة «إجادة»، ثم حصولهم لاحقًا على مرتبة «جيد» دون وجود مؤشرات واضحة على تراجع أدائهم، في حين أن المتوقع هو تطور الأداء الوظيفي في ظل الحوافز التي تقدمها المنظومة.

كما يبرز تساؤل آخر يتمثل في حصول الموظف على مؤهلات علمية أعلى، كالبكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، إلى جانب مشاركته في الدورات والبرامج التدريبية التي تستهدف تطوير الأداء المهني، ومع ذلك قد يحصل على تقدير أقل من السابق، رغم أن الأصل أن ينعكس هذا التطور العلمي والمهني إيجابًا على أدائه.

ومن الملاحظات كذلك أن موظفًا يمتلك خبرة تتجاوز ثلاثين عامًا من العمل المتواصل، ويحصل لسنوات على تقدير «جيد جدًا»، ثم يجد نفسه في مرتبة «جيد»، مما يثير تساؤلًا حول مدى حضور عنصر الخبرة التراكمية ضمن منظومة التقييم.

هذه الملاحظات تستحق الدراسة والمعالجة؛ لما يترتب عليها من انعكاسات سلبية على الموظف، لا سيما أن هذا التقييم يمثل تقريرًا سنويًا لأدائه الوظيفي، وتُبنى عليه المكافآت والترقيات وفرص الترفيع إلى وظائف أعلى، فضلًا عن تأثيره المباشر في الدافعية المهنية والمعنويات الوظيفية.

وقد يُقال إن النظام يتيح للموظف حق التظلم خلال فترة محددة بعد ظهور نتائج التقييم، إلا أن الواقع يشير إلى أن كثيرًا من الموظفين يعزفون عن التظلم ويرضخون للأمر الواقع لأسباب متعددة.

ومن هنا نقترح ربط استمارات تقييم الأداء الفعلي للموظف، ومؤشرات جودة الأداء المدرسي في نظام تطوير الأداء المدرسي، وإنجازات الموظف ومبادراته، وبرامج التنمية المهنية التي يشارك فيها، بالخطة الفردية المعتمدة في نظام «إجادة»، مع تخصيص أوزان ونسب واضحة لكل محور، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والموضوعية، ويضمن تقييم الموظف وفق معايير أكثر شمولًا ودقة، وبما يعزز الثقة في نتائج التقييم ويحقق الأهداف التي أُنشئت المنظومة من أجلها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z