هل تراني؟

إسماعيل بن مسعود الراشدي

نظرات توحي باستفهام، بوابل فضول في قلب سؤال، رنت إليَّ فهمست: هل تراني؟

سرح بي عُمقُ التساؤل إلى تساؤلاتٍ شتّى.

فقلت لها:

مهلا ...

هل تستطيعين رؤية النسيم العليل؟

بالطبع لا.

لكنكِ تستمتعين بلمسته اللطيفة على وجهكِ البريء، وتشعرين به يداعب خصلات شعركِ إن كان حرًّا طليقا. بل ربما تجدينه أحيانا يدفعكِ للأمام كنقطة انطلاقة ليوم جميل. فهل ستعاتبين النسيم أنه غير مرئي رغم حضوره وتأثيره؟

بالتأكيد لا.

دعينا من النسيم...

عندما تقع عيناكِ على ملامح فاتنة تثير انتباهك، ودون شعور قد لا تعيربها اهتماما، ظنا منكِ أن من المستحيل أن يشعر بكِ صاحبها. فتمضين في طريقك، رغم انبهاركِ بمشيته، وهندامه، وأسلوب حديثه، وجاذبية ابتسامته، فهل سيعني ذلك أنكِ لم تكوني هناك أو أنه لم يركِ أصلًا؟

حتمًا لا.

وعلى النقيض تماما لعله سَهِدَ ليلة البارحة، وأسرع مع إشراقة الصباح يُحَدِّث من يلقاه عن فتاةٍ ألهبت مشاعره بنظرةٍ عابرة، ظنا منه أن من الاستحالة الإسراف في النظر إليها لما أبدته من قوة شخصية، أضْفَتْ عليها هالة زجاجية شفافة حالت دون تلاقي العيون وامتزاج المشاعر فهل يعني ذلك أنها لم تكن مرئية رغم حضورها؟

قطعًا لا.

نعم ...أراكِ.

أراكِ تتنقلين بين الأروقة كنحلة نشيطة، تبحث عن رحيق الحياة، تغامرين بشقاوة الشباب، تشقين الطريق لبناء حياة اجتماعية تكتمل بالزواج والأطفال والانتصار المهني، فالنجاح أجمل بالتحديات؛ فهي تضفي أبهى الألوان وأشهى المذاقات.

نعم أراكِ... جناحًا آخر أُرفرف به، وقصة حبًّ أبدية تتجدد كلَّ ثانية.

أراكِ زوجةً صالحةً وسندًا قويًا، تجاهدين للحفاظ على عشكِ الجميل رغم كل ما يُقال، وما يتشعب من تفاصيل متشابكة، بل وتقودين مع زوجكِ دفة سفينةٍ تتقاذفها الأمواج وتهزها الرياح من شتى الاتجاهات، قد لا تبلغ بر الأمان إلا بربان ماهر وبوصلة واضحة.

نعم أراكِ... أمًا حنونًا آثرت تنشئة فلذات أكبادها متناسية كل تفاصيل زخرفة الحياة المشتتة، وبريق التفاهات الاجتماعية والبهرجة الزائفة، والسعي الدائم خلف مزاحمة الرجل في أعمال خُلقت له حفاظًا على الأنثى لاعتبارات فسيولوجية صِرفة تُزّكى فيها المرأة دون الرجل؛ لتُربي جيلًا يحمل قيمًا وأخلاقًا إسلامية تضيء مستقبل الأمة.

نعم أراكِ ... غيمةً تفيضين حبًا، وتغمرين البيت حنانًا ودفئًا، وتنشرين في الاجواء أطيافًا إيجابيةً من الأفعال والأقوال.

فالأُخت وردةٌ تنثر عبيرها من الطفولة إلى الكهولة إلى الملاذ الأخير، حيث لا يفرق بين ذوي الدم الواحد إلا روحٌ تصعد إلى بارئها في السماء.

نعم أراكِ شفافةً، يكاد يُرى ما في داخلكِ من نقاءٍ وبراءةٍ. فقد رأيتكِ رضيعةً تنمو، ثم طفلةً تحبو، ثم فتاةً ترنو إلى المستقبل.

أراكِ تذرعين البيت رواحًا وإيابًا تفتشين عن الحياة في أبسط تفاصيلها، وكم تمنيتُ لو يتوقف الزمان؛ لتظلي، يا ابنتي، معلقةً بين ذراعي، مستغرقةً في النوم تعدّين أنفاسي، لكنه الوقت يُغيِّر الملامح، ويُسارع اللحظات، والله غالبٌ على أمره. 

نعم أراكِ... تترنمين وتعزفين بصوتك أجمل الألحان، وتتأنقين بموسيقى الإحساس التي تذكرني بزقزقة العصافير، فهي تغرد فرحًا وألمًا في صوت واحد، وفي أحايين متباينة.

نعم أراكِ... في مُعْتَرَكِ الحياة، تخوضين تحدياتكِ الخاصة، وتبعثين أحلامكِ الوردية من عالم الخيال إلى أرض الواقع لتخطينها أهدافا ثم تحولينها خططا وبرامج لتغدو حقائق ملموسة، لتتربعي بعدها على هرم الإنجازات؛ تقطفينها إنجازًا تلو إنجاز.

نعم أراكِ أمًّا، وأختًا، وزوجةً، وابنةً، وجارةً، وزميلةً، وقريبةً، وغريبةً. أراكِ تَكْسِينَ الميادين لونًا اخضرَ لا ينفد عطاؤه.

نعم أراكِ كبدرٍ في كبدِ سماء ظلماء.

فهل أجبتُ عن سؤالكِ؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z