د. محمد بن خلفان العاصمي
يعتمدُ استمرار أو تراجع أي تكتل إقليمي على توازن عوامل القوة والضعف، وهي العوامل التي تحدد مدى قدرة هذا التكتل على الاستمرار والاستقرار، وبطبيعة الحال فإن الظروف التي تمر بها هذه التكتلات تلعب دورًا مهمًا في تحفيز هذه العوامل؛ فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية جميعها محفزات ايجابية او سلبية لعوامل القوة والضعف وكلما تمكنت الدول المرتبطة من عبور الأزمات بسلام كلما تعززت عوامل وفرص بقاءها متحدة والعكس صحيح تمامًا، فالتجارب السيئة تترك آثارها على مستقبل العلاقات بين الدول، وفي حالة مجلس التعاون الخليجي فإن الأزمة الحالية تطرح سؤالًا جوهريًا وهو هل سوف يصمد مجلس التعاون؟
وحتى نكون أكثر إنصافًا لهذا التكتل فقد لعب مجلس التعاون دورًا كبيرًا وإستراتيجيًا في تطور دول المجلس، وساهم في استقرارها السياسي والاقتصادي، وحقق نجاحات كبيرة خلال الفترة الماضية، وكما يقول أبناء الخليج ان هذا الكيان ولد ليستمر ويستمر ليكبر ويتطور مواكبًا لطموح أبنائه، وهذا ما نجح فيه المجلس منذ تأسيسه إلى هذه المرحلة، بالرغم من تعرضه لاختبارات سياسية وأمنية عديدة، حتى أصبح النموذج الذي يذكر عندما يكون الحديث عن نجاح التكتلات.
وحتى نجيب على التساؤل أعلاه يجب أن نحدد ونحلل عوامل الاستمرار وعوامل الضعف في ظل الأزمة الراهنة، لنصل إلى إجابة حول مدى قدرة المجلس على الصمود:
- عوامل استمرارية مجلس التعاون:
أ) الجغرافيا والمصير المشترك: ترتبط دول المجلس بيئة جغرافية واحدة تطل على أحد أهم الممرات البحرية، كما ترتبط هذه الدول جغرافيًا بدول ذات تأثير سياسي واقتصادي كبير، مما أكسب دول الخليج ميزات كبيرة وجعل من هذه الجغرافيا أحد معززات الارتباط، كما أن ذلك جعل من دول الخليج ذات مصير مشترك لكونه يتعرض لنفس المهددات الأمنية والسياسية، وهذا ما يجعل هذا العامل أحد دواعي استمرار المجلس.
ب) التقارب الثقافي والاجتماعي: حيث وحدة اللغة والدين والعادات والتقاليد والتداخل القبلي والأسري بين شعوب دول المجلس التي تشترك في كونها ذات ثقافة متشابهة وخصائص اجتماعية واحدة، وهذا عامل مهم جدًا ساهم في نجاح وتطور مجلس التعاون خلال السنوات الماضية.
ج) المصالح الأمنية المشتركة: فدول مجلس التعاون تشترك في توجهها نحو حماية الممرات البحرية وأمن الطاقة ومواجهة التهديدات الإقليمية، وهذا الأمر يشكل دوافع قوية للتنسيق فيما بينها وهو عامل أساسي قام عليه هذا المجلس الذي أدرك قادته أن الاتحاد قوة.
د) التكامل الاقتصادي: حيث قام مجلس التعاون على فكرة إنشاء تكامل اقتصادي بين المنطقة وقد نجح في كثير من الجوانب مثل الاتحاد الجمركي، وحجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، والتنسيق المشترك في مجال التنمية الاقتصادية وشكلت دول المجلس قوة اقتصادية كبيرة وساهم هذا النمو في تحقيق معدلات مرتفعة من الناتج المحلي لدول المجلس.
هـ) المرونة السياسية: أثبتت الأزمات السابقة أن دول المجلس قادرة على مواجهة التحديات التي تواجه المنطقة، وقدرة الدول على تجاوز الأزمات نابع من رؤيتها المرتبطة بالمصير المشترك، وقد تكون الأزمة الخليجية بين عامي 2017 و2021 هي أبرز تحدي واجه المجلس ونجح في تجاوزه.
و) الحاجة إلى قوة تفاوضية جماعية: وجود هذا المجلس ساعد الدول الخليجية في قوة التأثير السياسي خاصة في مسار المفاوضات مع الدول الكبرى في المنطقة، وتوحيد الرؤى أكسبها قوة سياسية خاصة عندما يتعلق الأمر بتشكيل موقف موحد نحو قضية ما.
2- عوامل قد تُضعِف المجلس أو تهدد استمراريته:
أ) اختلاف الأولويات الوطنية: حيث يبرز هذا العامل كأحد أهم العوامل التي أصبحت تهدد مستقبل مجلس التعاون، فقد أصبح لكل دولة حساباتها السياسية والاقتصادية الخاصة، وقد أسهمت الأزمة الحالية في تباين مواقف الدول تجاه بعض الملفات الإقليمية، خاصة القضية الفلسطينية ومشروع التطبيع والتقارب مع إيران، وهذا التباين القى بظلاله على المشهد السياسي الخليجي.
ب) التنافس الاقتصادي: دخلت دول الخليج في سباق نحو السعي لجذب الاستثمارات والمقار الإقليمية للشركات بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية، وقد خلق منافسة بين الدول الأعضاء لم تكن موجودة سابقًا، كما أن بعض الدول سعت لعقد شراكات اقتصادية مع دول أخرى في إطار مستقل عن التنسيق الخليجي، وهذا يشير إلى أن دول المنطقة بدأت في تشكيل تحالفات اقتصادية لمرحلة جديدة.
ج) التباين في السياسات الخارجية: وهذا ما نشهده خلال هذه الأزمة؛ فالتقييم السياسي والأمني لم يعد كما كان سابقًا في تقييم المصالح المشتركة، وقد أصبح الاختلاف المقاربات تجاه بعض القوى الإقليمية أو الأزمات الدولية واضحًا، وتباينت المواقف السياسة بشكل لم يكن مألوفًا.
د) الأزمات البينية: بعض الاختلافات في المواقف السياسية أثرت على فعالية العمل الخليجي المشترك، وقد تحولت هذه الاختلافات إلى أزمات حقيقية تجعل دول المنطقة أمام حتمية البحث عن المصلحة كمعيار وحيد للعلاقة البينية مع دول الخليج.
هـ) تراجع الإنجاز المؤسسي والتحولات الاقتصادية العالمية: تعطلت بعض المشاريع الاستراتيجية في مجال التكامل بين دول المنطقة، وهذا قد يضعف ثقة المواطنين والقطاع الخاص في جدوى المجلس، كما أن الانتقال العالمي نحو الطاقة المتجددة قد يفرض تحديات جديدة على واقع الاقتصاد الخليجي وأهمية المنطقة بالنسبة للعالم، وهذا قد يساهم في رسم مستقبل مختلف لمجلس التعاون.
بشكل عامٍ.. يرى كثير من الباحثين في المجال السياسي والاستراتيجي أن احتمالات استمرار مجلس التعاون أكبر بكثير من احتمالات تفككه؛ رغم حجم الخلافات، وتباين المصالح والأزمات المتكررة التي تواجه المجلس، وهم يستندون في ذلك لعوامل التاريخ المشترك والمصير الواحد والتقارب بين أبناء الخليج، ويرون أن فكرة مجلس التعاون قامت على أثر تجربة تاريخية طويلة من الخلافات والنزاعات والأزمات، واستقرت على أن توحيد الدول الخليجية فيه مصلحة لكل الدول الأعضاء دون استثناء، وقد يكون ذلك، لكن حتمًا أن خليج ما بعد الأزمة لن يكون كما قبلها.
